تزف إلينا التقارير العالمية والمنظمات المختصة أخباراً مرعبة حول مستقبل الغذاء في العالم متعللة بالتقلبات المناخية والديموغرافية وتصحر الأراضي الزراعية وازدياد الطلب في البلدان المصدرة، واليوم تئن الدول الفقيرة تحت وطأة نقص الغذاء ومهدداته المستقبلية.
فيما يرتفع شبح الموت جوعا فوق رؤوس ملايين من البشر الواقعين أصلاً تحت خط الفقر، في مقابل هذا تستهلك الدول الكبرى طاقاتها في أمور لها علاقة بالتكالب والاستحواذ والقوة وفرض العنف، ويستهويها كثيرا الجلوس إلى رقعة شطرنج العالم لتقاسم المصالح بينها وبين بعضها البعض.
المنظمات العالمية الموكل إليها مراقبة ما يعترض الشعوب من مخاطر لم يتبق لها إلا صوت يكاد يكون مبحوحا وسط الضجيج العالمي المزيف، وهي ترسل تقاريرها وتحذيراتها. في عالم مثل هذا يموت الجياع فيه أمام ناظري المتخمين بالغذاء وتسقط كل معايير المنطق الإنساني، الذي يراد له أن يحكم التعايش والتكافل بين الشعوب..
ومثلما هي الحرب تندلع لرغبات قبيحة، يبدو أن الفقر والجوع وبقاؤهما كالسكين فوق الرقاب أمر مفضل عند أصحاب الرغبات ذاتها. لأنه ليس هناك مبرر أن يبقى إنسان بعيداً عن شربة ماء تبلل ريقه في إفريقيا تحت أي ظرف من الظروف، فيما تحترق مليارات الدولارات في صناعة معدات قتل ودمار.
في المطلق العام لا يستقيم وضع بهذا الحال، لكن هي سنة الحياة، وسنة النفس البشرية التي احتوت الضدين الخير والشر. اليوم تطالعنا الأخبار بشيء فيه كثير من الألم، فمع الغذاء اليومي لما تنتجه حروب الموت والدمار في أنحاء متفرقة من العالم تصرخ الأصوات عاليا في مسألة الجوع والغلاء والجدار الحديدي الذي بات يحول بين ملايين من البشر وقوت يومهم..
وحينما يبدأ منظر في تشريح أوضاع وأزمات العالم الحاضرة منها والمستقبلية تنسدل ستارة من السواد أمام الأفق، وتشعر وكأن الإنسان قد قرر الانتقام من بني جنسه. في مقابل هذا تسأل عن عقلانية المنطق وفضائل الأديان والفلسفة وأثرهما فيه فلا يبدو أن هناك أثرا.
هل فئة قليلة حولت العالم إلى واقعه الدامي؟ في القصص التي تسرد في الخفاء وعند العارفين يشار بالبنان إلى تلك المختبرات السرية للكبار الذين يتحكمون في العالم سواء من خلال السيطرة الظاهرة أو السيطرة الباطنة، الخفية والمتعسفة في الوقت نفسه، ويشار بالبنان إلى أن هناك قاعة تجتمع فيها الرؤوس لتمارس خبثها السري على العالم.
الإنسان أيضاً بطبعه يتعامل مع الإشكالات الكبرى وبالذات ما يحيق به من كوارث بإحالتها إلى عالم الخفايا والمؤامرات..هل يعقل هذا؟ في صورة الأخبار تحمل الأم الجالسة على الرمل الجاف طفلها الذي لم يتبق منه إلا العظم والجلد بحثا عن قطرة ماء ترويه..وفي صورة الأخبار أيضاً ما يناقض هذا من تخمة!! نحن البسطاء نعتقد أن الحل بسيط..هو أن تتخلى جيوش العالم يوما عن بنادقها وتحمل بدلا منها قناني ماء وتذهب إلى تلك الأم.
