بين يدي الذكرى السنوية الستين لإعلان قيام دولة إسرائيل الذي أرخ لبداية النكبة الفلسطينية الممتدة، لا يجب أن يغيب عن خواطر الفلسطينيين والعرب أن قرابة نصف سكان هذه الدولة ومستوطنيها اليوم يعودون لأصول عربية.. وهكذا فإن من يعنيهم تبصر حاضر الكيان الاستيطاني الصهيوني ومصيره، عليهم أعمال الفكر والنظر في حال ومآل اليهود العرب الذين غادروا إليه وباتوا جزءاً من لحمته وتركيبته المعقدة.
في يناير 1999 أعلن عبدالواحد راضي رئيس مجلس النواب المغربي وقتذاك أن بلاده لن تسقط الجنسية المغربية عن اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى إسرائيل. ومضي إلى ما هو أهم حين ذكر أن المغرب «لا يمانع في عودة هؤلاء اليهود للاستقرار فيه إذا ما رغبوا في ذلك.. لأن القوانين المغربية تتسم بالعصرية والتسامح..».
هذا الإعلان يقف على طرف نقيض مما أفتى به مئة من علماء الدين في اليمن بعد ذلك (مايو 2000) وهو «.. عدم القبول بإعادة توطين اليهود الذين خرجوا إلى إسرائيل..». بل وكانت تلك الفتوى قد حرمت وحظرت أي خطوة من خطوات التطبيع مع اليهود والسماح لهم بزيارة اليمن باسم السياحة أو زيارة الأهل.
وذلك «بعدما نبذوا الجنسية اليمنية وغادروا البلاد نهائياً، محاربين الجيوش العربية ومنها جيش اليمن..». وقد علل العلماء هذا الموقف بأن مظاهر التطبيع تنطوي على أهداف أخرى «إذ تمكنهم من شراء الأراضي والعقارات وإدعاء ملكيتها وتشكيل أقلية يهودية تعيش تحت الحماية الأجنبية وتعرض اليمن لضغوط دولية كي يستسلم لها ولخططها الماكرة..».
هناك إذاً خشية من تحول صلة اليهود ذوي الأصول العربية اليمنية في إسرائيل بأقاربهم في اليمن إلى مطية أو طريق التفافي للتطبيع مع إسرائيل. كما يتحسب علماء اليمن من احتمال استدراج بلادهم إلى شرور التدخل الأجنبي من مدخل حماية الأقلية اليهودية التي سوف تكبر إذا ما عاد يهود اليمن من إسرائيل إلى بلدهم الأصلي.
والحق أن استكناه العلاقة بين قضيتي التطبيع وعودة يهود اليمن على النحو المذكور أمر مشروع.. لكن هذه المشروعية لا تتعارض وحكمة التدبر في قضية العودة واستبصار تداعياتها علي سيرورة المشروع الصهيوني الاستيطاني والقضية الفلسطينية، بل ومستقبل الصراع الصهيوني العربي برمته، على نحو أشمل وأعمق.
فالموقفان المغربي واليمني يعرضان سياستين وإجابتين مختلفتين عن سؤال واحد هو: إلى أين يذهب اليهود ذوو الأصول العربية في حال آنسوا فشل الحل الصهيوني الاستيطاني العنصري لما يدعى بالمسألة اليهودية.. بغض النظر عن زيف هذه الدعوى؟
في هذا الإطار، يطرح الموقف الأول المساهمة في تفكيك الكيان الصهيوني سكانياً، عبر امتصاص العنصر اليهودي الذي ينتمي للمغرب تاريخياً. وهو حل يمكن محاكاته بالنسبة لبقية اليهود العرب. أما الموقف الثاني فيغلق الباب أمام مثل هذا الحل، بما يعني في التحليل الأخير ديمومة حشر هذه الشريحة جيداً في القلعة الاستيطانية الصهيونية في «فلسطين»، بكل ما يتداعى عن هذا الوضع من انعكاسات!
وتقديرنا أن لكل من هذين الموقفين ما يبرره نسبياً. فالفتوى اليمنية، ومن يحذو حذوها، تتحسب من مخاوف وأراجيف معقولة ويمكن تفهمها. علينا أن نعي كيف أن عقوداً من مشاركة يهود العالم العربي في سلوكيات الكيان الصهيوني وتصرفاته ومثله العنصرية العدوانية تجاه المحيط الحضاري العربي الإسلامي، الفلسطيني منه بخاصة، ليست بلا مغزى. فعلى مدار الصراع ومراحله تراكم إرث من العداء والتربص وسوء التقدير، وجرى تشويه حقائق كثيرة لطالما حفت بالوجود اليهودي في دنيا العرب.
بيد أن للمسألة أبعاداً أخرى ربما لا يتعين حجبها بزعم المحاذير والموروثات السلبية. إذ لم تكن هجرة اليهود العرب إلى المستوطن الصهيوني عن قناعة واستيعاب كاملين للفكرة الصهيونية. لقد كان لتلك العملية (الانتقالة الكبرى) محدداتها وظروفها الخاصة. كما أن عودة هذه الجماعة للانتشار في محيطها الحضاري الممتد في الزمان والمكان والتجربة المشتركة مكاسب يمكن حسابها ومعاينتها. وبمنظور معمق، قد ننظر راهناً إلى التساهل قبل عقود في قضية تحول اليهود العرب إلى الكيان الصهيوني على أنه كان سياسة خاطئة لم تتبصر ملياً في العواقب.
بعبارات أوضح، يصح الاعتقاد بأن هذه السياسة مثلت تغذية لهذا الكيان الذي رعاه الغرب واحتضنه عبر التجاوب مع النخب اليهودية التي نادت به وسعت إلى تطبيقه. وهذه حقيقة أدت إلى إدماء وجه فلسطين وتذرية شعبها والإضرار بالعالم العربي والسلم الدولي وعلاقة العرب بالغرب علي حد سواء.
لنتأمل على سبيل المثال كيف تضررت فلسطين، البلاد والعباد، من مهاجرة يهود المغرب واليمن إلى هذا الكيان، بحيث باتوا يشكلون اليوم زهاء عشر سكانه. وربما جاز التصور الذي يقول ان المخاطر العملية التي ستتمخض عن مغادرة هذه الكتلة اليهودية في الاتجاه المعاكس بالنسبة للعالم العربي، إذا ما استقبلهم تارة أخرى، لا تتوازى والمكاسب المتأتية عن تفريغ المشروع الصهيوني من بعض مادته البشرية.
لا نفضل عموماً حسم قضية عودة اليهود العرب بمنطق العزوف والرفض النهائي. فلعل سياسة أو مقاربة كهذه توحي للمستوطنين اليهود بأن التصور الصهيوني الانعزالي في المعتكف الاستيطاني داخل فلسطين، هو السبيل الوحيد المسموح لهم بالمضي فيه. فيما مواربة الباب أمام الارتداد إلى المواطن الأصلية يشي بأن ثمة حلولاً أخرى يمكن التفكير فيها.
الموقف المغربي يكاد يعني هذا الطريق الآخر. ولا ريب في أن تعميم هذا الموقف عربياً، لن يكون بلا ضوابط.. منها أساساً وبلا حصر: شرط التخلي بالمطلق عن الهوية الإسرائيلية، بحيث لا يضع اليهود العائدون رجلاً في إسرائيل وأخرى في البلاد العربية الأم. إن تجاهل هذا الشرط يجد بعض مخاوف الفتوى اليمنية.
الشاهد أن ملف مصير اليهود العرب في إسرائيل يستحق عناية بحثية أكبر مما حظي به حتى المرحلة الحالية.. فإن حدثت هذه العناية في سياق إعادة الاعتبار لنظرية أن إسرائيل هي تجمع استيطاني ومستودع لمادة بشرية يمكن التعامل معها بالحقن والإضافة أو بالتجفيف والتسريب والامتصاص إلى الأوطان الأم، إن حدث ذلك، فسوف يكون لمعالجة أمر اليهود العرب شأن آخر.
ونحسب أن أحد بنود هذه المعالجة ومفرداتها سيتعلق بالتصدي لبدعة أن هؤلاء اليهود ينتمون إلى عوالم اللجوء واللاجئين. تلك البدعة التي تروج لها أوساط صهيونية للتغطية علي جريمة العصر الخاصة باللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم من ناحية، وابتزاز الدول العربية مادياً وأخلاقياً وسياسياً من ناحية أخرى.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
