التقى في الكويت في الثاني والعشرين من الشهر الجاري حشد كبير ضم وزراء خارجية الدول المجاورة للعراق ووزيرة الخارجية الأميركية ووزراء خارجية الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي والأمين العام للجامعة العربية والأمين العام للمؤتمر الإسلامي وممثل عن الأمين العام للأمم المتحدة وممثلين عن بقية دول مجموعة الثماني الصناعية الكبرى ومسؤولين من الإتحاد الأوروبي.
سبق هذا المؤتمر جولة قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في عدد من دول الشرق الأوسط لحشد الدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي للعراق تنفيذاً لأجندة أميركية ترى بأن الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي بحاجة إلى دعم كبير في هذه المرحلة المتميزة التي اختارت فيها المواجهة مع مصادر الأخطار التي تحيق بها. وهي أخطار داخلية متأتية من نشاطات تنظيم القاعدة وأخرى من نشاطات جيش المهدي الذي يرفض تسليم أسلحته للسلطات الأمنية، ونشاطات خارجية تمارسها بعض الدول المجاورة لزعزعة الأمن فيه عن طريق دعم الميليشيات وتزويدها بالسلاح والقيام بتدريبها على ممارسة النشاطات التي تضعف دور الحكومة العراقية وتشل أياديها.
والحقيقة أن الأخطار التي يتعرض لها العراق، إذا اعتبرنا الاحتلال نفسه ليس خطراً، الداخلية منها أو الخارجية متداخلة مع بعضها بشكل يصعب معالجة إحداها دون الأخرى. فنشاط تنظيم القاعدة وجيش المهدي قد تصاعد في الآونة الأخيرة بشكل يدعو إلى التساؤل عما إذا كان هنالك نوع من التنسيق المباشر بين الطرفين أو تنسيق عبر عراب يقف خلف الستار يرسم معالم المشهد ويحرك الدمى وفق سيناريو خاص وُضع بعناية لخدمة مصالحه.
الصراع بين الحلفاء والشركاء في العملية السياسية هو الأبرز في المشهد العراقي، ففي تصريح ملفت للاهتمام ذكر رئيس الوزراء العراقي بأن التهديد الذي يمثله جيش المهدي أكثر خطورة من التهديد المتأتي من تنظيم القاعدة وإن الحكومة في حملتها الأخيرة في البصرة ومدن الجنوب الأخرى تستهدف الخارجين على القانون ولا تستهدف كتلة سياسية معينة في إشارة إلى التيار الصدري الحليف في كتلة الائتلاف العراقي الموحد. إلا أن هذا التيار الذي يتزعمه مقتدى الصدر يرى غير ذلك ويعتبر ما قامت وتقوم به الحكومة خطة لتصفيته قبيل انتخابات مجالس المحافظات في أكتوبر المقبل.
وقد تصاعدت الأخطار التي تهدد حكومة المالكي مع التهديد الذي أطلقه مقتدى الصدر زعيم جيش المهدي، بشن حرب مفتوحة على حكومة المالكي في أكبر تصعيد تشهده الساحة السياسية العراقية خاصة وأن المعارك التي دارت في البصرة وبعض مدن الجنوب لم تحسم بعد وسط أنباء تفيد باستمرار الحالة المتوترة في عدد من هذه المدن وقتال شبه مستمر في مدينة الصدر بين جيش المهدي والقوات الحكومية والأميركية. المؤتمر في الكويت هو الثالث من نوعه حول العراق بعد المؤتمرين اللذين عقدا سابقاً: في مايو ونوفمبر من العام المنصرم في كل من شرم الشيخ وإسطنبول واللذين لم يتمخض عنهما إجراءات ملموسة تعزز الوضع الجديد القائم في العراق وتُصلب عوده.
ويبدو إن هذا المؤتمر ليس على غرار المؤتمرين السابقين، فهو كما تشير قائمة من حضره مؤتمر دولي كبير. ومن المتوقع أن يكون حظه في تحقيق بعض التحسن في الوضع السياسي في العراق أفضل من حظوظ المؤتمرين السابقين لأسباب عديدة: منها قناعة المجتمع الدولي بالتقصير وبأن ما قُدم إلى العراق حتى الآن لمساعدته على النهوض من كبوته ضئيل لا يستحق الذكر، ومنها تحسن لغة الحوار بين الفرقاء العراقيين داخل العملية السياسية، ومنها تفهم عدد من القادة العرب بضرورة إعادة العلاقات البناءة مع العراق والإسهام بشكل إيجابي في تعبيد طرق مستقبله.
محوران رئيسيان كانا حجري الزاوية في هذا المؤتمر وقد حظيا باهتمام وسائل الإعلام وأثير الجدل والنقاش حولهما: أولهما سياسي يتلخص في دفع الدول العربية لإعادة بعثاتها الدبلوماسية إلى العراق وتطبيع العلاقات مع الوضع القائم فيه، وثانيهما اقتصادي يتعلق بشطب الديون التي خلفتها سياسات النظام السابق لبعض الدول الخليجية.
في ما يتعلق بالمحور الأول هنالك أسباب قوية تدفع الولايات المتحدة لتسليط المزيد من الضغوط على الدول العربية لعودة بعثاتها الدبلوماسية للعراق وإعادة فتح مكتب الجامعة العربية في بغداد. فقد سحبت بعض هذه الدول بعثاتها الدبلوماسية لأسباب أمنية قاهرة. فقد خطف بعض الدبلوماسيين وقُتل آخرون وفُجرت مباني بعض السفارات.
إلا أن عودة هؤلاء أصبحت ضرورية في الوقت الراهن لأسباب عديدة: أولها إلا أن الوضع الأمني قد شهد تحسناً ملحوظاً في الشهور الستة الأخيرة على الرغم من وجود ما يعكر صفوه بين الحين والآخر، وثانيها أن لمعظم الدول العربية مصالح عميقة الجذور في العراق على مختلف المستويات وفي مختلف المحاور السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وثالثها وهو ما عبرت عنه وزيرة الخارجية الأميركية بصراحة وهو موازنة الدور والنفوذ الإيراني في العراق.
أما على المحور الثاني فقد حصل العراق على وعود، وليس قرارات، بشطب ديونه التي تقرب من أربعين مليار دولار. لم تكتف الولايات المتحدة بمجرد تسليط الضغوط على الدول العربية لاحتضان العراق في هذه المرحلة الخطيرة من تأريخه بل بادرت فعلاً إلى اتخاذ خطوة هامة في دفعه مجدداً إلى فضائه العربي بقوة حيث أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية رايس في الحادي والعشرين من أبريل الجاري عن انضمام العراق إلى الاجتماعات الدورية التي تعقد بين الولايات المتحدة والدول الخليجية الست ومصر والأردن. وقد شارك العراق لأول مرة في اجتماعات المجموعة الجديدة التي سوف يطلق عليها مسمى، الولايات المتحدة ـ ستة زائد ثلاثة، في المنامة في اليوم نفسه.
كاتب عراقي