شهدت السنوات العشر الماضية تراجعا كبيرا و ملحوظا لما أطلق عليه الأستاذ محمد حسنين هيكل اسم أو وصف «القوة الناعمة» لمصر، هذه القوة التي كانت تتمتع بها مصر على الساحة العربية، والتي جعلت منها القيادة والقدوة للشعوب والدول العربية الأخرى على مدى عقود وربما قرون طويلة مضت، ويرى البعض أن هذه القوة بدأت في الأفول مع كامب ديفيد السادات، بينما يرى آخرون أنها تراجعت بعد ذلك بسنوات، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتحول المنطقة العربية بأكملها لمنطقة نفوذ وهيمنة أميركية يصعب فيها التمييز بين الكبار والصغار.

ولكن أيا كان توقيت الأفول والتراجع للقوة الناعمة المصرية وارتباطه بعوامل سياسية خارجية، فإنه لا ينفي وجود أسباب موضوعية داخل مصر تتمثل في عيوب و خلل كبير في دعائم وأسس هذه القوة الناعمة في العديد من المجالات، هذه العيوب التي كانت تخفيها أشياء وعوامل كثيرة.

وعلى رأسها ضعف الإمكانيات التقنية والبشرية و ضعف وسائل الإعلام والاتصالات وتخلف مستويات التعليم لدى باقي الدول العربية الأخرى وتفوقها في مصر، مما جعل الفنون والآداب المصرية وإبداعات الفكر والسياسة وحتى الرياضة المصرية تحتل الصدارة، ونذكر هنا أنه ربما حتى منتصف السبعينات كان مشجعو كرة القدم في العالم العربي من المحيط للخليج ينقسمون إلى أهلاوية وزملكاوية، وكان الفنان المصري يحتل شاشات التليفزيون والسينما في كافة البلدان العربية بلا منافس.

وكانت النخبة السياسية المصرية قدوة جميع النخب السياسية العربية سواء منهم الماركسيون أو الناصريون أو حتى الإخوان المسلمين، كما كانوا دعاة الدين ومقرئي القرآن المصريين هم واجهة الساحات والمجتمعات الدينية العربية من المحيط للخليج، وحتى القيادة السياسية الرسمية في مصر، ورغم المقاطعة العربية بسبب كامب ديفيد كان لهذه القيادة وزن كبير ليس لغيرها من الدول العربية الأخرى مثله، وانعكس ذلك بوضوح في عودة الجامعة العربية للقاهرة عام 1989.

تغيرت الأحوال في الدول العربية التي شهد الكثير منها تطورا ملحوظا في مجالات الإعلام والفنون وتقنيات الاتصالات، وظهرت الفضائيات التليفزيونية وانتشرت في دول الخليج قبل أن تنتشر في مصر، وتصدر الإنتاج الفني المحلي هذه الفضائيات بحيث بات الإنتاج المصري يجد منافسة صعبة مع الإنتاج السوري والخليجي في الحصول على مساحة على الفضائيات الخليجية، وتراجعت الصحافة المصرية التي غرقت في المحلية في الوقت الذي تفوقت عليها الصحافة الخليجية التي خرجت بعضها للساحة الدولية، وأصبح الكاتب المصري المهتم بالشأن الدولي والعربي يجد متنفسا لكتاباته في الصحف الخليجية أكثر منه في المصرية.

و تراجعت النخبة السياسية المصرية تماما حتى كادت تختفي من على الساحة العربية التي كانت في الستينات من القرن الماضي تحتل فيها الصدارة والريادة، ولم يعد للماركسي المصري أي وجود لا على الساحة الداخلية في مصر ولا على الساحة العربية لا على مستوى العمل السياسي ولا الأدبي ولا الفني.

وفي الوقت الذي مازال للفكر الماركسي فيه تواجد ورواد وكتاب ومفكرون وتجمعات وصحف ومواقع إليكترونية في عدة دول عربية نلاحظ اختفاء هذا التيار تماما على الساحة المصرية رغم أن الماركسيين المصريين السابقين ما زالوا موجودين، لكنهم كعادتهم القديمة سريعو التأقلم والتقلب والتلون مع المستجدات حتى بات جلهم أو معظمهم ليبراليين يرفعون الشعارات الأميركية التي كانوا يرفضونها من قبل مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأصبح الكثيرون منهم وحتى من قادتهم المفكرين والمنظرين تطبيعيين وعلى علاقات بجمعيات داخل إسرائيل مثل جمعية المؤرخين الجدد وغيرها من الجمعيات المروجة للفكر الصهيوني .

أما الناصري المصري فمن يوم ظهوره ولا حول له ولا قوة، ففي الوقت الذي ظهرت فيه أحزاب ومنظمات ناصرية قوية ومتماسكة في العديد من البلدان العربية لم يستطع الناصريون في بلد عبد الناصر على مدى أكثر من ثلاثة عقود أن يتفقوا على تشكيل أو قيادة، ولم يخرجوا للساحة العربية التي انتظرت قدومهم لها طويلا دون جدوى، وتشرذموا وانقسموا إلى العديد من الأحزاب والتجمعات والفرق الصغيرة حتى اختفوا ولم يعد لهم وجود ولا فاعلية حتى على الساحة الداخلية في مصر .

وحتى الإخوان المسلمون المصريون الذين هم طليعة حركة الإسلام السياسي العربي منذ عشرينات القرن الماضي وتفاعلت معهم العديد من القوى والأنظمة العربية في الخمسينات والستينات ودعمتهم ماديا وسياسيا ضد نظام عبد الناصر، نجدهم الآن غارقين في الصراع مع النظام المصري على السلطة وبعيدين تماما عن الساحة العربية التي شهدت مؤخرا نهوضا ملحوظا لتيار الإخوان المسلمين الديني منه والسياسي في العديد من الدول العربية، كما نجدهم في مصر بعيدين عن «الدين» و«غارقين في السياسة» ومرفوضين من باقي التيارات الدينية الأخرى.

ولقد انعكست أزمة النخبة السياسية المصرية بوضوح في الأحداث الأخيرة في مصر مع انتفاضات الخبز والجياع وعمال المحلة، هذه الانتفاضات التي ذهبت جميع طوائف النخبة السياسية المصرية بما فيها الإخوان والناصريون وغيرهم يتبرأون منها صراحة خوفا من الصدام الحاد مع النظام الذي وضع لهم جميعا قواعد للعبة لا يجوز لهم الخروج عنها .

لقد تآكلت بالفعل القوة الناعمة المصرية، وكادت تختفي تماما من ساحتها الإقليمية، وأصبح من الصعب حتى التنبؤ بعودتها في المستقبل القريب، وإذا كانت مصر بالفعل كما يقولون «ولاّدة» فبحجمها الجغرافي والسكاني وبتاريخها العريق يمكن لها أن تسترد قوتها الناعمة، ولكن بقوى ونخب وربما أجيال أخرى غير الموجودة على الساحة الآن .

elmoghazy@hotmail.com