قلنا كثيراً إن نسب المخالفات الحقيقية كبيرة جداً في واقعها المخفي، وقلنا إنه كلما تم تكثيف الرقابة ودعم الجهاز الرقابي بإمكانات أكبر وصلاحيات أوسع استطعنا تحجيم تلك النسب والقضاء عليها تدريجياً، والواقع الحاضر اليوم هو أننا نعيش مع مفاجآت دائمة، كلما أوغل التفتيش في الدهاليز التي تختفي وراءها المخالفات.

وبالرغم من أن الأعوام الثلاثة الماضية شهدت قرارات وخططاً وبرامج مكثفة، بل وصارمة لتصحيح الأوضاع والقضاء على ظواهر سالبة، كما شهدت تدعيم أجهزة الرقابة من خلال التدريب والتأهيل، إلا أننا ما زلنا في معية المصادفات التي تكشف لنا يومياً عن مفاجآت تدفعنا إلى الشعور أن هناك مناطق خفية لا تطالها الرقابة.

فاليوم مثلاً وبمجرد حملة ضد سكن العزاب في مناطق سكنية تكشف عن مخالفات في الإقامة والعمل، ومع أن الحملة هي فقط لترتيب أوضاع مناطق سكن العزاب من العوائل، إلا أن الأمور دائماً تسير إلى اتجاهات مختلفة أيضاً. وهذا يعني أن من حق السائل أن يقول: ماذا لو لم تكن هناك حملة لسكن العزاب، فهل يبقى هؤلاء المخالفون لقوانين الإقامة والعمل على حالهم؟

وما نعنيه بالضبط ليس انتقاصاً في الجهود وعمل الجهات المختصة في ذلك، ولكن نقول إن الأمر يبدو وكأننا أمام ركام كبير كلما فتشنا فيه، خرجت لنا مصيبة.. أي على قول القائل: المصائب لا تأتي فرادى.

وبالإمكان القياس على ذلك الكثير، فحملة تفتيش صحية في مطاعم قد لا تكشف عن المستوى الصحي فيها، بل قد تسفر عن ضبط ملاحقين ومطلوبين. وحملة تفتيش على صلاحيات أدوية قد تكشف عن صيدلاني يعمل بشهادة مزورة، وحملة تفتيش في مصنع أو مخزن تستهدف ضبط إجراءات السلامة والأمان قد تكشف مستودعاً لممنوعات ومحظورات.

الحكومة بذلت جهوداً جيدة وما زالت تبذلها في إطار تدعيم الأجهزة الرقابية المختلفة والمتنوعة التخصصات، لكن يبدو من واقع الحال أن هذا لا يكفي، وأن أساطيل المفتشين يجب مضاعفتها لإحكام السيطرة، وأن الحملات لا يجب أن تعمل بنظام الموسمية والتوقيتات المتباعدة، بل يجب أن تكون قائمة في كل الأوقات، وان جهوداً تنسيقية اكبر حري بها أن تجد مكانا في عملية ضبط الدهاليز الخلفية، حتى ولو كان هذا التنسيق موجوداً بصورة ما، لكن الواقع يحتم النظر إلى ما يختبئ تحت السطح.

mhalyan@albayan.ae