لا تدخل في باب الدعابة، أو استدرار عطف الآخرين، ما أخذت تكرره مؤخراً على مسامع الجميع حركة حماس، من أن قطاع غزة يقف على حافة الانفجار، والحديث يدور عن مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون على مساحة تبلغ فقط ثلاثمئة وأربعة وستون كيلو متراً، يخضعون لحصار محكم، وعدوان مستمر يطال قبل البشر والحجر ما تبقى من أشجار مثمرة، وأراضي زراعية محدودة، بالكاد تلبي احتياجات السوق المحلية.

قطاع غزة محاط من شرقه وشماله، بالأراضي من فلسطين التي تسيطر عليها إسرائيل، وغربه حيث البحر الأبيض المتوسط، المغلق من قبل البوارج الحربية الإسرائيلية كل الوقت، أما على جنوبه، فالحدود مع سيناء مصر التي يبلغ طولها أربعة عشر كيلومتراً.

فوق الأرض، وعلى سطح البحر، الحركة من قطاع غزة وإليه محظورة تماماً إلا من بعض الحركة التي يسمح بها لمرضى الأورام السرطانية بالمرور للحصول على العلاج بالخارج، وبعض ممثلي المؤسسات الدولية، الذين على الأجانب منهم أن يحصلوا من إسرائيل على فيزا للعبور من وإلى القطاع وبعد تنسيق وتدقيق أمني، يستغرق في كثير من الأحيان ساعات طويلة.

أما من يحتاجون إلى السفر لمواصلة دراستهم أو متابعة أعمالهم، أو لقضاء حاجاتهم، أو ممارسة تجارتهم، فهؤلاء قد فقدوا الأمل بالخروج وقد قضى منهم لسبب نقص العلاج أو الخدمات الطبية، أو فقدان الأدوية، مئة وثلاثة وثلاثون حتى كتابة هذه السطور، لأسباب ظاهرها معاقبة حركة حماس التي فازت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات يناير 2006، والانقلاب الذي قامت به في 14/ 6/ 2007، وأدى إلى سيطرتها بالقوة على كل قطاع غزة، وباطنها القضاء على المشروع الوطني الفلسطيني، وأهداف الشعب الفلسطيني، وتنفيذ مخططات الفصل أحادي الجانب من قبل إسرائيل ابتداء بقطاع غزة.

بدأت إسرائيل في فرض حصار على القطاع منذ تشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة، التي شكلتها حركة حماس في مارس 2006 وانضمت إليها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، أيضاً المشاركة بالحصار، مشترطة لرفعه، والتعامل مع نتائج الانتخابات، موافقة حركة حماس على الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والإعلان عن نبذ ما يسمى ب«الإرهاب»، والموافقة على الالتزامات المترتبة على منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. أي أنه كان وما يزال مطلوباً من حركة حماس أن تغير جلدها وحتى عظمها حتى تكون مقبولة من المجتمع الدولي.

حسابات فرض الحصار ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث وجدت حماس نفسها في مواجهة سياسة عربية بالإجمال، لا تتفق معها، وتراها امتداداً لحركة الإخوان المسلمين العالمية، وجزءاً من ما تسميه الولايات المتحدة محور التطرف، الذي يضمها إلى إيران وسوريا وحزب الله في لبنان بما يلقي عليها تبعات واستحقاقات إضافية.

الحصار الذي تعرض له قطاع غزة، مع بداية تشكيل حماس لحكومتها، في مارس 2006، وكان يتسم ببعض المرونة، جرى تشديده مرة أخرى في الخامس والعشرين من يونيو العام ذاته، حين وقعت عملية الوهم المتبدد التي أدت إلى أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، ثم جرى إغلاق كافة المنافذ على القطاع مرةً أخرى بعد انقلاب حماس على السلطة في الرابع عشر من حزيران 2007، أي أكثر قليلاً من عشرة أشهر.

إسرائيل والدول الغربية عموماً تعلم يقيناً أن الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة، وتساهم فيه معظم الدول العربية، لم يكن بالضبط حصاراً على حركة حماس، وإنما هو في واقع الأمر، واحد من أشهر أنواع وأشكال العقاب الجماعي لكل سكان القطاع، فلقد وجدت حماس لنفسها مخارج، للحصول على الأموال، والأسلحة، والكثير من الاحتياجات، كان ذلك قد أدى إلى ارتفاع معدلات نشاط اقتصاد الأنفاق التي يجري حفرها تحت الأرض لتخترق الحدود بين قطاع غزة ومصر.

وكانت تشكل شبكة واسعة، تساعد في تخفيف وطأة الحصار، حيث يمكن من خلالها الحصول على بعض أنواع المواد التي يفتقر إليها السوق الفلسطيني. غير أن هذه الشبكة باتت محدودة الأهمية، بعد أن اتخذت السلطات المصرية إجراءات أمنية واقتصادية، إثر اجتياح مئات الألوف من الغزيين للحدود مع مصر في شهر يناير من هذا العام، مما أدى إلى إعادة بناء الجدران الحدودية.

خصوصاً بعد أن تعرضت مصر لضغوط أميركية وإسرائيلية، وبعد أن وافقت حكومة أولمرت على زيادة عدد قوات أمن الحدود المصرية من سبعمئة وخمسين جندياً إلى ألف وخمسمئة. وفيما الحدود مغلقة تماماً، فإن الخيارات أيضاً تبدو مغلقة، مما أدى إلى تصاعد التهديدات والتهديدات المقابلة بين حركة حماس ومصر، على خلفية التحذيرات من إمكانية أن تقع هبة شعبية تخترق الحدود مرةً أخرى، حين بدت هذه الهبة المحتملة بلا جدوى سوى أن تفتح على أزمة من شأنها أن تعمق الأزمة الواقعة.

فلقد اتخذت السلطات المصرية إجراءات أمنية على الحدود لمجابهة مثل هذه الاحتمال، فضلاً عن إجراءات أخرى ذات طبيعة اقتصادية، بحيث لا يتمكن أي فلسطيني يجتاز الحدود عنوة من الحصول حتى على شربة ماء. وفي هذه الأثناء، قررت جمعية أصحاب محطات توزيع الوقود ابتداءً من السادس من هذا الشهر، عدم تسلم الكميات القليلة التي تسمح إسرائيل بإدخالها إلى القطاع.

ذلك أن الكميات التي يجري توريدها، تتسبب في وقوع مشكلات ومشادات اجتماعية، كثيرة، وعائدات قليلة، فضلاً عن خلاف بين أصحاب المحطات وحركة حماس حول توزيع الحصص، وكيفية جباية الأموال المستحقة، بعد ثلاثة أيام من قرار أصحاب محطات توزيع الوقود بما في ذلك الغاز المخصص للمنازل، الأمر الذي ظهرت آثاره واضحة على حركة الناس.

الشوارع في قطاع غزة، بدت لأيام وكأنها تخضع لإجراءات حظر التجوال فحتى المركبات التي أمكن تحويلها للعمل بالغاز بدل البنزين، توقفت هي الأخرى، مما دفع بعض سائقي السيارات لاستخدام زيت القلي (السيرج) كوقود لسياراتهم، مما أدى بدوره إلى ارتفاع مبيعات وأسعار الزيت. وقد تسبب فقدان الوقود إلى ارتفاع أسعاره في السوق السوداء حيث وصل ثمن ليتر البنزين أحياناً إلى ثماني دولارات بدلاً من دولار ونصف، والسولار إلى نحو خمسة دولارات للتر الواحد بدلاً من دولار وربع.

ومع فقدان الوقود وارتفاع أسعاره، ارتفعت أسعار الخضروات إلى معدلات قياسية لتتضاعف حالة الفقر الشديد الذي يعاني منه السكان، فقد توقفت مضخات المياه، وتوقفت الآليات التي تنقل الخضروات من جنوب القطاع إلى وسطه وشماله، يضاف إلى ذلك جشع التجار.

المشهد الغزي الحزين، الذي ترسم ملامحه الحصار والعدوانات المتكررة، ينقل عملياً مليون ونصف المليون، إلى خارج نطاق العصر، خصوصاً وأن إسرائيل لا تتوقف عن استخدام تقنيات عالية التأثير لتشويش البث التلفزيوني، بما ينغص على أهل القطاع حياتهم حتى وهم داخل بيوتهم.

فضلاً عن ذلك، أثر فقدان الوقود إلى ارتفاع إيجارات النقل، وإلى امتناع أعداد كبيرة من الطلاب والمدرسين وأساتذة الجامعات والموظفين من الالتحاق بمراكزهم. مثل هذا الوضع المحقون جداً، يعطي مصداقية لتحذيرات حماس من أن القطاع مقبل على انفجار. أما سؤال المواطنين فهو متى وكيف وأين سيجرى هذا الانفجار وما هي تداعياته اللاحقة؟.

كاتب فلسطيني