كلما اقتربت السيارة من العنوان الذي كنا نقصده كلما تداخلت الأفكار في رأسي، وكلما انعطف السائق بنا أجد منعطفاً من المشاعر لم أستطع أن أقف عنده طويلاً. فحين يقدم المرء على مقابلة شخص لطالما تمنى مقابلته، فإنه يدخل في دوامة من الأسئلة التي يود أن يجمعها كلها في سؤال واحد، ويأمل أن يجد إجابات عدة لذلك السؤال.

عندما توقفت السيارة أمام المنزل المنشود، ترجلنا منها وتوقفنا قليلاً، حيث تعمدت أن أقف خارج المنزل حتى أتأمل المكان الذي قد لا أعود إليه مرة أخرى. استعدت في تلك الثواني القليلة التي قضيتها أمام المنزل ذكريات الرغبة الجامحة في مقابلة هذه المرأة التي لا أعرف إن كانت حقيقة أم حلماً.

تقدم أحد زملائي ودق جرس الباب، وما هي إلا ثوانٍ حتى فتح الباب الصغير وكأنه بوابة عظيمة تفضي إلى قصر أعظم. حيّتنا مضيفتنا وطلبت منا أن ندخل... دخلت أمشي على أطراف أصابعي حتى لا أدوس بقدمي على الأوراق والكتب التي كانت تضج في صمت على أرضية المنزل وفي أروقته الضيقة.

طلبت منا أن نصعد الدرج إلى الطابق الأول، حيث إن صاحبة المنزل لا تستطيع النزول، فصعدنا وأعيننا تدور تبحث عنها وتبحث عنا بين كلماتها المتناثرة على جدران ذلك المنزل القديم. كل درجة كنا نصعدها كانت تروي قصة أناس مروا هنا قبلنا وأقسموا ألا يعودوا، ولكن في صمت. تماماً مثلما أقسم كل واحد منا ألا يعود وألا يخبر الآخر عن هذا القسم.

كنت أول الواصلين إلى الطابق العلوي، فسمعت صوتاً لطيفاً يرحب بنا، مددت يدي لأصافحها وكنت أظن أنها ستعجز عن حمل يدها.. ليس لأنها بلغت من العمر عتيا فقط، ولكن لأن الكلمات التي خطتها تلك اليد قد أثقلتها على مر السنين، وأعيتها - في ظني الخاطئ - عن استقبال الآخرين بأفكارهم ومشاعرهم، بحسناتهم وبسيئاتهم.. وبأحلامهم الصغيرة أيضاً.

تقدمت وهي تتوكأ على يدي وأنا أتوكأ على يدها. على الرغم من أنني ولدت وهي على مشارف الستين عاماً، إلا أنني أحببتها في تلك اللحظة وكأنها قد ولدت معي... أحببتها وكأنها الحلم الذي راودني يوماً واستيقظت لأجده قد سبقني إلى الحياة، فتوقفت عن الهرولة وراءه. وأحببتها لأنني وجدت في وجهها البشوش صورة جدتي التي رحلت قبل سنوات.

عندما دخلنا صالة الجلوس كان هناك الكثير من الضيوف، إلا أنهم كانوا متناثرين في جميع أنحاء الصالة. ضيوف من ورق، بعضه مقوى أصر على البقاء، وبعضه رقيق آثر الانزواء في أطراف المكان... كان الضيوف يتحدثون في صمت مع بعضهم البعض، وكانوا يتحدثون معها متسائلين عن هؤلاء الذين أتوا من الشرق... يرحلون من مرفئ إلى مرفئ يبحثون عن الحقيقة... ويبحثون أيضاً عن الكذب.

لم أعرهم انتباهاً وآثرت أن أجلس بوقار في حضرة مضيفتنا التي لم تعرف لماذا أتينا. جلسنا في غرفة مطلة على الشارع، بها كنبة صغيرة مدعمة ببعض القطع الخشبية حتى لا تنكسر، ومملوءة بالأوراق والكتب حتى انني كنت أتساءل في نفسي إن كانت جزءاً من المكتبة أم جزءاً من طقم الجلوس.

بجانب الكنبة تقبع طاولة قديمة، عليها أربعة أشياء: مذياع قديم، كوب من الشاي، باقة ورد ومجموعة كتب تزاحمت كلها لتكون قريبة من الكنبة ولتلبي نداء الحرب والحب عندما تأمرها سيدتها بذلك. تحت الطاولة توجد كتب، وتحت الكنبة توجد كتب أيضاً، حتى الكراسي الخشبية البسيطة التي جلسنا عليها كانت تحمل كتباً قبل أن نجلس عليها... المكان مليء بكتب وكتب مليئة بالمكان.

في كتاباتها الأخيرة تميزت «دوريس ليسنغ» الحائزة على جائزة نوبل للعام 2007 بالكتابة الصوفية، ومن يزر بيتها يوقن تماماً أنها لا ترغب في الحياة كثيراً تماماً مثلما يفعل الصوفية. دوريس التي شارفت على التسعين عاماً تعيش وحدها مع مساعدتها التي تجلس بوقار وبهدوء تام في حضرتها، وما أن تأمرها بإحضار شيء ما - وغالباً ما يكون كتاباً - تطير من مقعدها وتعود في ثوانٍ معدودة، لأنها تعلم بأن الوقت قد لا يسعف دوريس لتحصل على ما تريد، ولكنها لا تعلم بأن دوريس قد حصلت على كل ما تريد منذ زمن بعيد.

تتحدث دوريس وكأنها طفلة في العاشرة من عمرها، تضع يدها على خدها وهي تروي لنا عن ذكرياتها المشوشة في إيران ـ البلد الذي ولدت فيه - وثم تنتقل للحديث عن زمبابوي حيث عاشت. تتحدث بشغف ولكن بحزن أيضاً على الأوضاع السيئة في ذلك البلد وعلى فقدانها جميع أصدقائها هناك إلا صديقة واحدة ما زالت على قيد الحياة. قلت لها بأننا نشاهد الأخبار ويسيئنا ما يحدث هناك فقالت لي بأنها لا تشاهد الأخبار، ولكنها تتصل كل يوم أحد بصديقتها هناك لتعرف منها الأخبار.

سألها أحد زملائي: «كيف تأتيك فكرة كتاب؟» فقالت:«أحياناً يأتي الكتاب من خلال جملة عابرة، وأحياناً يأخذ عشر سنوات حتى يصل. لدي كتاب اسمه الزيجات بين المناطق الثالثة والرابعة والخامسة، كنت أفكر فيه لعشر سنوات.

أما كتاب الإرهاب الطيب فقد أتاني خلال محادثة هاتفية» دوريس لا تقوى على الحركة كثيراً، حتى انها لم تحضر حفل تكريمها في جائزة نوبل، إلا أنها خرجت قبل أيام لتلبي دعوة ناد صغير للكتاب في الحي الذي تسكنه، فهذا في رأيها أهم من أي حفل آخر. ودوريس التي كانت في منتصف العمر تقريباً إبان الحرب العالمية الثانية استقبلت ثلاثة شباب من الإمارات لأنها تؤمن بأن هذا التواصل المباشر مع الآخر أهم بالنسبة لها من محطات التلفاز العالمية.

قبل أن نرحل سألناها عن تعريفها للكتاب الجيد فقالت بكل بساطة:«هو الكتاب الذي لا تستطيع أن تتوقف عن قراءته» وعندما شرعنا بالرحيل توكأت على يدي مرة أخرى وأوصلتنا إلى السلم..ودعناها ونعرف أننا لن نراها بعد اليوم، إلا أننا عرفنا أيضاً بأنها لن تغادرنا أبداً.

باحث إماراتي

yasser.hareh@gmail.com