في جلسة استماع اللجان المختصة في مجلس الشيوخ الأميركي في الثامن والتاسع من الشهر الجاري، قدم كل من الجنرال ديفيد بترايوس والسفير رايان كروكر تقريره حول الوضع في العراق. لم يكن في أي من التقريرين ما هو غير متوقع، إلا أن ما يجلب الانتباه فيهما هو قوة الكلمات التي وردت حول الدور الإيراني في العراق . فقد قيل إن إيران تقوم بنشاطات تدميرية في العراق وأن أياديها كانت واضحة في الأسابيع الأخيرة و بأنها أكبر تهديد، على الأمد البعيد، للوضع القائم في بغداد.
كانت إيران حاضرة طوال جلسة الاستماع، فالتقريران يشيران إلى أنها السبب الرئيسي للمتاعب التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق وهي أيضاً السبب الرئيسي في عدم قدرة الإدارة الأميركية على سحب قواتها منه، دون أن يجري التطرق إلى الأخطاء الخطيرة والكثيرة التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق.
وتعتبر هاتان الشهادتان وما ورد فيهما حول إيران أبرز تصعيد في الملف الإيراني من جانب الولايات المتحدة يقابلها من الجانب الإيراني إسهام آخر في التصعيد وهو ما أعلن عنه الرئيس الإيراني وهو بدء الخبراء الإيرانيين بنصب 6000 وحدة طرد مركزي متطورة لتخصيب اليورانيوم في موقع نتانز، حيث تزامن هذا الإعلان مع الذكرى الخامسة لسقوط العاصمة العراقية.
خلاصة التوصيات التي قدمها بترايوس وكروكر هو التريث في سحب القوات من العراق مدة خمس وأربعين يوماً بعد سحب القوات الإضافية في يوليو المقبل، وذلك لغرض إعادة تقييم الأوضاع. وسرعان ما أعلن الرئيس بوش قبوله لهذه التوصيات ولم يتردد في خطابه المتلفز في ختام شهادتهما على التأكيد بأن الولايات المتحدة تواجه تهديداً أمنياً من مصدرين هما تنظيم القاعدة و إيران.
وهنا يضع الرئيس الأميركي إيران في موقع جديد يتناسب مع المخاطر المتأتية عن سياساتها وطموحها على أمن الولايات المتحدة. فمحور الشر الذي كانت إيران أحد أضلاعه الثلاثة لم يعد موجوداً بعد أن وجدت كوريا الشمالية في نزع قدراتها النووية السبيل الوحيد لفك عزلتها وحل أزماتها الداخلية المتفاقمة، ولم يعد العراق يشكل تهديداً لأصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
يشغل الملف الإيراني حيزاً كبيراً من الاهتمام الأميركي والإسرائيلي ومؤخراً الفرنسي، فالعلاقات بين واشنطن وطهران ليست على ما يرام منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 واحتجاز موظفي السفارة الأميركية في طهران. ولم تتحسن هذه العلاقات بل زادت سوءاً على مر الزمن على الرغم من الجهود التي تبذل في القنوات السرية منذ عدة سنوات لتلطيف الأجواء بين البلدين.
فبالإضافة إلى الاتهامات التي تلاحق إيران حول سعيها لامتلاك الأسلحة النووية منذ إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن اكتشافها لنشاطات نووية إيرانية تثير الشكوك قبل عدة سنوات، فإن الولايات المتحدة تحملها مسؤولية عودة العنف في العراق وأفغانستان وخطراً على أمن إسرائيل وتعتبرها بمثابة عقبة تعرقل حل أزمة الرئاسة في لبنان ووراء تشدد حركة حماس وإخفاق المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.
فما الذي حققته الإستراتيجيات التي وضعتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لمواجهة إيران؟ وكيف سيكون تعاملها مع إيران وهي تضعها في مصاف تنظيم القاعدة في مستوى التهديد للأمن القومي الأميركي؟. الإدارة الأميركية ترى بأن على الولايات المتحدة وبالتعاون مع الدول الصديقة التصدي للتطرف الإيراني والتهديدات الإستراتيجية الناجمة عن سياسات طهران>
وأن عليها وبالتعاون مع الأسرة الدولية منع إيران من الحصول على السلاح النووي وإبطال سعيها للسيطرة على المنطقة. إلا أن إدارة الرئيس بوش منقسمة حول الطريقة التي ينبغي اتخاذها لمواجهة الأخطار التي تهدد مصالح الولايات المتحدة والدول الصديقة في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
يرى البعض بأن سياسة الاحتواء لا تزال هي المرجحة في الوقت الحاضر لدى البيت الأبيض لنزع القدرات النووية الإيرانية وتحجيم دورها في المنطقة. وسياسة الاحتواء تتضمن عادة محاور عديدة تهدف إلى تقليص المساحات المتوافرة أمام الطرف المُحتوى وعزله سياسياً واقتصاديا ودبلوماسياً وأمنياً و جره إلى سباق سلاح لا يستطيع اقتصاده تحمله ورصد حركاته وسكناته والاستمرار في مضايقته.
وقد استخدمت هذه السياسة مع الإتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة لأنه لم يكن لدى الولايات المتحدة بديل آخر آنذاك فهي لا تستطيع مواجهته عسكرياً إذ بذلك تجازف بتدمير نفسها في حالة قيام منازلة نووية لا تبقي ولا تذر. وقد ساعدت سياسة الاحتواء الذي دام قرابة نصف قرن على تفاقم دور العوامل الداخليةً، داخل الدول المكونة للإتحاد السوفييتي، التي لعبت الدور الرئيسي في تفككه وتغيير الأنظمة والسياسات في دوله.
كما أن سياسة احتواء النظام السابق في العراق على مدى ثلاث عشر سنة كانت السبب الرئيسي في إضعافه و تآكله وتسهيل إسقاطه. أما الحال مع إيران فهو مختلف تماماً فالولايات المتحدة لم تفلح في إيجاد أسس سياسية قوية لاحتواء إيران، فالعقوبات التي فرضت عليها من قبل مجلس الأمن الدولي محدودة التأثير>
بسبب موقف روسيا والصين المعارض لعزل إيران، لا ترقى إلى المستوى الذي يلزم دولة كبيرة مثل إيران على النكوص والإذعان للمطالب الأميركية. كما إن الولايات المتحدة قد فشلت في إقامة تحالف سياسي، على المستويين الإقليمي والدولي، يفرض واقعاً يعزل إيران سياسياً ودبلوماسياً ويهدد أمنها القومي.
يبدو بوضوح أن سياسة الاحتواء في طريقها إلى الفشل، فإيران مقتنعة بصحة سياساتها التي تراها منسجمة مع مصالحها ومصرة على التمسك بالبرنامج النووي المثير للجدل و مصرة على إقلاق راحة الولايات المتحدة في كل بقعة من بقاع الشرق الأوسط مستغلة نقاط ضعف أوجدتها الولايات المتحدة بنفسها وزادتها بالإقدام على التورط في الساحة العراقية.
إن تقريري بترايوس وكروكر يُسهمان في تقوية الاتجاه الضاغط داخل الإدارة الأميركية لاستخدام القوة إزاء إيران والذي يتزعمه نائب الرئيس تشيني ويلتف حوله مجموعة الصقور الذين خدموا مع رامسفيلد في البنتاغون
كاتب عراقي