عاد الحديث في روسيا يدور من جديد حول مستقبل الرئيس فلاديمير بوتين الذي من المفترض أنه لم يبق له في الحكم سوى أسابيع أو أيام أقل من شهر، خاصة بعد أن طرح مؤخراً بجدية في البرلمان الروسي إمكانية ترؤس بوتين لحزب «روسيا الموحدة» صاحب الأغلبية البرلمانية الكبيرة، مما يجعل له الكلمة الحاسمة في معظم أعمال الدولة وسياساتها، ولكن هذا الاحتمال غير وارد الآن أثناء وجود بوتين في الرئاسة.

وإن كان ظل الاحتمال قائماً، هذا في الوقت الذي لم يدع فيه الرئيس المنتخب الجديد ديمتري ميدفيديف لعضوية الحزب حتى الآن على الرغم من أنه كان مرشحاً للرئاسة من قبل هذا الحزب، وأيضاً الرئيس بوتين كان يتصدر قائمة الحزب في الانتخابات البرلمانية في ديسمبر الماضي وبفضله حصل الحزب على الأغلبية الساحقة في الانتخابات واحتل ما يقرب من ثلثي مقاعد البرلمان.

ورغم هذا فإن اقتران اسمي الرئيس الحالي بوتين والمنتخب ميدفيديف بحزب «روسيا الموحدة» يظل احتمالاً قائماً، لكنه غير مؤكد تماماً، نظراً لأنه غير مقبول على الساحة السياسية في روسيا أن يرتبط الرئيس بحزب من الأحزاب، حتى لو كان حزب الأغلبية.

أما بخصوص تولي الرئيس بوتين منصب رئيس الوزراء بعد تركه الرئاسة، فإن هذا الأمر رغم شيوعه وإعلانه على لسان الرئيس المنتخب ميدفيديف وإعلان الرئيس بوتين قبوله المبدئي له، فإنه رغم ذلك يظل أيضاً احتمالاً ليس مؤكداً بشكل قاطع، بل إن البعض من المراقبين يستبعدون هذا الأمر، ويقولون انه سيخلق ازدواجية، ولو شكلية، في مركز صنع القرار أمام الجهات الأخرى.

ولن يكون مفهوماً من أين يأتي القرار، من الرئيس ميدفيديف أم من رئيس الحكومة بوتين، وهذا الأمر ربما يصعب تحمله طيلة فترة الرئاسة، خاصة وأن روسيا على مدى السنوات الثمانية عشرة الماضية تعدد فيها رؤساء الحكومة وتجاوزوا العشرة، ولم يبق فيها في هذا المنصب أحد أكثر من عامين، هذا إلى جانب أن رئيس الحكومة الحالي فيكتور زوبكوف الذي تولى منصبه في سبتمبر الماضي وكان أحد المرشحين الرئيسيين لمنصب الرئيس قبل ميدفيديف لم يبدأ بعد عمله بجدية تامة ولم يقدم بعد نتائج جديدة في منصبه.

في حين أن الرئيس بوتين الذي اختاره لهذا المنصب كان ومازال يشيد به ويقول انه أفضل من يدير الحكومة لخبراته العالية في مختلف المجالات، ولا أحد يتحدث الآن عن مصير زوبكوف عند تولي ميدفيديف الرئاسة الشهر المقبل، مما يوحي بأن زوبكوف قد يبقى في منصبه لفترة طويلة بعد، على الأقل ليثبت وجوده وكفاءته وحتى لا يكون كقطعة الشطرنج التي استخدمت لفترة محدودة ثم تم الاستغناء عنها.

خاصة وأنه من المعروف أن زوبكوف من أقرب الأصدقاء للرئيس بوتين وأيضاً من أساتذته المرشدين له، وليس من المتصور أن يهينه بوتين بهذا الشكل وهو الذي قال عنه عند تعيينه رئيساً للحكومة انه أقرب المرشحين لمنصب رئيس روسيا.

هناك احتمال آخر طرحه زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي فلاديمير جيرنوفسكي، وهو أن تنتهي مدة ولاية الرئيس الجديد ميدفيديف بعد فترة وجيزة ويتم إجراء انتخابات رئاسة جديدة في عام 2009 يتقدم لها الرئيس بوتين، وهو الاحتمال الذي يرجحه القليلون مستندين إلى أن ميدفيديف نفسه لم يكن يتوقع اختيار بوتين له لتولي الرئاسة بعده، حيث انه أقل المرشحين خبرة وسناً.

وكان اختياره مفاجأة للجميع، إلا أن الكثيرين يستبعدون هذا الاحتمال لأنه يسيء ليس فقط لسمعة الرئيس بوتين بل للنظام السياسي في روسيا ككل، حيث ان الأمر ليس لعبة يلعبها النظام ويخدع فيها الآخرين، ولم يكن بوتين بحاجة لمثل هذه اللعبة المكشوفة للعودة للسلطة التي تركها برضاء تام مصمماً على الحفاظ على هيبة الدستور.

احتمال آخر ربما يكون أكثر منطقية وواقعية، ومطروح منذ فترة طويلة، ربما سنوات، وهو تغيير شكل الدولة بإعلان الوحدة الاندماجية أو الفيدرالية بين روسيا وبيلاروسيا، وهو الأمر الذي تسير خطوات تنفيذه منذ سنوات وهناك لجان مشتركة من البلدين تعمل على تنفيذ هذا المشروع الكبير في المستقبل، ولكن غير معروف بالتحديد موعد إعلان الدولة الاتحادية الجديدة، وربما يتم إعلانها أثناء فترة حكم الرئيس ميدفيديف.

الأمر الذي سيستلزم بالضرورة تغيير شكل الدولة وتغيير دستورها، ولن يكون هناك مرشح لرئاسة هذه الدولة الجديدة أفضل من الرئيس بوتين خاصة وأنه قد سبق وأن أعلن رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشنكا ترحيبه التام بتولي الرئيس بوتين رئاسة الدولة الاتحادية بين البلدين، على أن يبقى لوكاشنكا رئيساً لبيلاروسيا وميدفيديف رئيساً لروسيا.

الساحة الروسية مفتوحة على جميع الاحتمالات، والأمور في روسيا ليست هادئة بالدرجة التي يمكن معها القول ان ما سيقرره بوتين وفريقه سيتم تنفيذه فوراً وبسهولة، حيث ان هناك المعارضة في روسيا التي تريد أن تقول كلمتها، وقد صرحت المعارضة الشيوعية برفضها لتولي الرئيس بوتين رئاسة الحكومة، وأعلن زعيم الحزب الشيوعي جينادي زيوجانوف ان الشيوعيين في البرلمان لن يؤيدوا ترشيح بوتين لرئاسة الحكومة الروسية الجديدة.

وأضاف زيوجانوف ان هذا الأمر يجر روسيا لنهج يشكل خطورة على مستقبلها عندما تحتكر مجموعة معينة السلطة كلها لفترة طويلة أياً كانت انجازات هذه المجموعة في وقت ما، ويحتل الشيوعيون الآن 57 مقعداً في البرلمان ويقودون المعارضة فيه، وقد أعلن الحزب الشيوعي الروسي مؤخراً عن برنامجه الجدي والذي يتضمن إنشاء نظام حكم ثوري ـ ديمقراطي يخدم مصالح الطبقة العاملة في المجتمع وليس مصالح أصحاب الثروات، وأشار زيوجانوف للصحافيين أن حزبه لا يستبعد اللجوء لثورة مخملية من أجل تحقيق برنامجه.

أياً كانت الأوضاع فإنه لا يمكن الجزم بأن الأمور على الساحة الداخلية في روسيا هادئة ومستقرة، بل على العكس فإن المؤشرات تشير لإمكانية حدوث اضطرابات وقلاقل، ولهذا يظل مصير الرئيس بوتين معلقاً وغير محدد ومفتوح على جميع الاحتمالات.

كاتب ومحلل سياسي روسي