من يتابع جيداً ما ينشر عن موريتانيا في وسائل الإعلام العربية والغربية سوف يتصور أنها تشهد توترات أصولية وأنها قد أصبحت مصدراً من مصادر الخطورة على الأجانب، ومن عينات هذه الأخبار والأنباء: إعلان الشرطة الموريتانية عن أنها اعتقلت «سلفيين» بينهم معروف ولد هيبة الذي تصفه بأنه أمير جماعة سلفية على صلة بتنظيم القاعدة متهمة بالمسؤولية عن قتل أربعة سائحين فرنسيين في ديسمبر الماضي.
واشتباك قوات الأمن في العاصمة الموريتانية نواكشوط مع مسلحين في اشتباك أدى إلى مقتل شخصين. وإفراج السلطات القضائية الموريتانية عن سبعة موريتانيين بعد مثولهم أمام النيابة العامة في نواكشوط في إطار التحقيق في الهجوم الذي استهدف السفارة الإسرائيلية أوائل فبراير الماضي. واتهام النيابة في موريتانيا ثلاثة أشخاص بالانتماء إلى منظمة على صلة بشبكة القاعدة وبقتل فرنسيين.
والحاصل أن هناك دلالات متعددة لهذا المشهد الموريتاني، في مقدمتها أنها أصبحت واحدة من ابرز الدول المغاربية المهددة من قبل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، وهذا الأمر يعود إلى عدة أسباب أولها أنها بدأت تحقق استقرارا منذ إجراء انتخاباتها البرلمانية التي كرستها كصاحبة تجربة ديمقراطية فريدة من بين الدول العربية وهذا الأمر لابد وانه لا يحظى برضا التنظيم الذي يرفض أعضاؤه الديمقراطية كفكر وممارسة.
وهم بالتالي يشددون من ضغوطهم على موريتانيا من اجل الإشارة إلى أنها تعاني من عدم الاستقرار كنتيجة لتجربتها الديمقراطية. إضافة إلى ذلك فإن تعدد عمليات التنظيم في موريتانيا في الأشهر الأخيرة تؤكد رغبته في تهديد النظام هناك من خلال التأثير على دخله من السياحة خاصة وان قتل السائحين الفرنسيين جاء مع بدء موسم السياحة الأوروبية إلى موريتانيا.
ومن دلالات هذا المشهد أيضا انه يؤكد ما يردده معظم المراقبين حول أن هناك عددا كبيرا من الموريتانيين من أعضاء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بما يعني أن التنظيمات السلفية الموريتانية لها دور رئيسي داخل التنظيم يؤكد ذلك عدد من المؤشرات في مقدمتها أن واحدا من العمليات المسجلة القليلة للتنظيم تصور واحدة من العمليات التي جرت في موريتانيا، وعندما تم إطلاق الشريط المسجل هذا اعتبره المراقبون المهتمون بالقاعدة دليلا على الدور المركزي الذي يعطيه التنظيم للجماعات الموريتانية.
وثالث دلالات هذا المشهد تتعلق بحالة الهشاشة السائدة على الساحة السياسية الموريتانية، فالتجربة الديمقراطية لم تنضج بعد، واحتمالات الانقلاب العسكري مازالت سيفا مسلطا على عناصر النخبة الموريتانية، وهو الأمر الذي يرفع من معدل التوتر مع كل عملية عنف تشهدها موريتانيا حتى ولو كانت صغيرة، وهو ما يحدث بالفعل.
ويمكن القول ان هناك دولا تشهد عمليات عنف أقسى مما تشهد موريتانيا ولكنها لا تحظى بنفس الاهتمام الإعلامي الذي تحظى به موريتانيا مع كل عملية تشهدها، وهذا الأمر يفسر الوضع الحساس لموريتانيا خاصة لدى الدول الأوروبية التي لها مصالح في موريتانيا وفي مقدمتها فرنسا.
وإذا كان الانفتاح بات أمرا واقعا من جانب أهل السلطة على مختلف مكونات المشهد السياسي في موريتانيا منذ أطاح العسكر، بنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطابع صبيحة أحد الأيام الأولى من أغسطس عام 2005. حيث تعهد المجلس العسكري الذي أفرزه الانقلاب الأبيض حينذاك على لسان رئيسه علي ولد محمد فال بإعادة السلطة لحكومة وبرلمان ورئاسة مدنية في فترة تقل عن العامين.
وقد وفى الجيش، فأجرى استفتاء على تعديل الدستور بشكل يجعل صدر مواده يتسع لحرية التعبير والتنافس الديمقراطي والتداول الدوري سلميا على السلطة. وأجرى انتخابات بلدية ونيابية قال العديد من المراقبين إنها لا تقل شفافية عن نظيراتها في الجارة الجنوبية، السنغال، والشرقية، مالي.
ثم جرت الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، من هنا يمكن القول ان المشهد السياسي الموريتاني يشهد حراكا سياسيا غير مسبوق وهذا العنف الظاهر هو احد الأعراض الجانبية لهذا الحراك الذي يمكن أن يؤدي إلى نضوج التجربة الديمقراطية الموريتانية لو أخذت فرصتها كاملة ولم تحدث أية عوائق خارجية لها مثل تدخل الجيش أو حدوث اضطرابات داخلية.
وتشهد موريتانيا في الوقت الراهن صراعا بين الحداثة والتقليدية ومحصلة هذا الصراع هي التي سوف تحدد مستقبل هذا البلد العربي الإفريقي لفترة طويلة من الوقت، وهناك مراقبون يرون انه في ظل حالة الفقر الشديد والأمية المتفشية يسهل تفهم تقديم كثيرين للولاءات العشائرية والمنفعة المادية على الانتماءات الحزبية والإيديولوجية، وهذا الأمر يعزز من الطابع التقليدي للمجتمع.
ولكن على الرغم من ذلك فإن حالة تسييس المجتمع الموريتاني أصبحت واضحة في السنوات الأخيرة، وقد يكون لنفس مشكلات الفقر والتخلف دور في هذه الحالة من خلال إدراك الناس أن تغيير الواقع يتطلب منهم مزيدا من الإيجابية السياسية والمشاركة في صياغة المستقبل بدلا من مجرد الاستسلام للواقع، ذلك أن استمرار هذه المشكلات وعدم حلها أديا إلى البحث عن بدائل استثمرتها النخبة الحديثة وساهم في ذلك سياسة موريتانيا في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أحدث نقلة نوعية في الثقافة السياسية للبلد خاصة بعد تخلي العسكر طواعية عن الحكم.
من هنا نستطيع القول ان حالة الحراك السياسي التي تشهدها موريتانيا هي في باطنها تعبر عن الوضع الانتقالي الذي تعيشه في الوقت الراهن، وهو ما يعنى أن المشهد السياسي الموريتاني لا يجب التعامل معه باعتباره مشهدا متوترا أو يعبر عن حالة من حالات عدم الاستقرار السياسي، بل مقدمة لاستقرار سياسي طويل ولكن المجهول فيه هو إلى أين يتجه هذا الاستقرار.
إلى الحداثة أم انه يعبر عن تراجع مرة أخرى إلى التقليدية؟. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وان كان يسعى إلى السيطرة على حكم دول المغرب العربي وإقامة حكم الإسلام فيها، إلا انه في نفس الوقت منخرط في الصراع حول مستقبل موريتانيا ويريد من خلال عملياته المتعددة هناك أن يعزز من اتجاه النكوص إلى التقليدية وإزاحة الاتجاه الساعي إلى دخول موريتانيا إلى ركب الحداثة السياسية.