تحتاج مفاهيم التبرع والعمل الخيري والعمل التطوعي، وغيرها من المفاهيم التي تتجه نحو الآخرين، إلى مزيد من الجهد للتعريف بها بين مختلف شرائح المجتمع، لأن أوجهها تعددت وتنوعت مع تطور الحياة وتعقد مساراتها، وأصبحت هذه المفاهيم التي كانت تمارس في السابق بتلقائية.
وتتحول من مجموعة مفاهيم مجردة إلى ممارسة واقعية يقوم بها أفراد المجتمع بكل بساطة، في حاجة إلى التعريف بها، والتبصير بطرائقها ومسالكها المعروفة والمستحدثة، حتى يستمر حضورها بيننا، ولا تخبو مع كثير من المفاهيم التي خبت نتيجة طغيان الجانب المادي على حياتنا اليومية.
وإذا كنا نلاحظ أحيانا أن هذه المفاهيم مغيبة عند بعض أفراد المجتمع الذين لا يكادون يعرفون عنها شيئا، فليس ذلك لأنهم لا يريدون أن يعرفوا، أو لا يريدون أن يقوموا بممارستها، بل لأنهم لم يجدوا من ينبههم أساسا إليها، ويعرفهم بها.
هذا لا يمنع وجود فئة من أفراد المجتمع ـ أي مجتمع ـ لا تميل إلى التبرع ولا للقيام بالعمل الخيري، ـ ولها أسبابها ربما ـ، وهذه الفئة تفكر بمنطق العطاء مقابل الأخذ، وأحياناً تبدأ المعادلة عندهم بالعكس، أي بالأخذ وبعد ذلك العطاء. ونتيجة إعراض هذه الشريحة المجتمعية عن ممارسة هذه العادات الاجتماعية التي تتجه نحو الاهتمام بالآخرين بدلا من الاهتمام بالذات.
بالإضافة إلى قلة الوعي بأهميتها عند شريحة أخرى من أفراد المجتمع، نجد أن كثيرا من الأنشطة تفقد بريقها، وتخسر الكثير من قيمتها، لأننا لم نستوعب جيدا معنى أنها تقوم على البذل والعطاء، والتفكير بالآخرين، وليس بالنفس فقط، ولأن بعضنا يفكر ـ أحيانا ـ بالفائدة الشخصية التي سيجنيها من العمل، في حين تغيب الفائدة الجماعية ـ أو المجتمعية ـ عن الأذهان.
من المؤكد أن هذا الكلام ليس عاما، لأننا في المقابل نجد الكثير من الأنشطة الخيرية التي تثبت نجاحا منقطع النظير، ولعل أشهرها حملة دبي العطاء التي جسدت مفهوم البذل دون انتظار مقابل، وقد كانت المبالغ التي بُذلت كبيرة جدا، ولكنها على الرغم من ذلك كانت واقعًا وليست خيالا، أما الفائدة المرجوّة منها فإنها تفوق كل التوقعات بالتأكيد.
إننا ولله الحمد نعيش في بلد اعتاد دائما النظر إلى احتياجات الآخرين، والسعي نحو توفيرها لهم، وهذا نهج انتهجه الوالد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وسار عليه الشعب الإماراتي حتى أصبح علما يُشار إليه في هذا الأمر.
ولكني هنا أود أن أسلط الضوء على الممارسات الفردية التي تعكس عدم نضج هذه المفاهيم عند بعض الناس، بحيث يصبح التبرع المالي، وبالمبالغ الكبيرة هو كل ما يقومون به لمساعدة الآخرين، فيما هم يتخلصون من بعض حاجياتهم الصالحة للاستخدام في مكب النفايات، ولا يفكرون في توزيعها على المحتاجين، أو التوجه بها للهلال الأحمر مثلا!
إن كثيرا من الناس يعيشون في مستوى معيشي كريم، بحيث تتوافر لهم جميع متطلباتهم الحياتية، ولا يشتكون نقص شيء ضروري لا تقوم الحياة الإنسانية إلا به، كالطعام والكساء والدواء والمأوى، إلا أن هذا لا يدفعهم نحو التفكير في حاجة غيرهم إلى هذه الأشياء الضرورية جدا وتعسر حصولهم عليها، لذلك يسهل عليهم رمي الطعام الزائد في مكبّ النفايات.
والتخلص من الملابس التي لا يريدونها ـ وسأتجنب أن أقول القديمة أو المهترئة؛ فمعظم الملابس التي يتم التخلص منها عند كثير من الناس هي من الأنواع الفاخرة جدا، ولكنهم لا يرغبون في ارتدائها أكثر من مرة أو مرتين في أحسن الأحوال، فيتخلصون منها ـ مثل هذه الملابس تُرمى أيضاً دون أن يُبحث لها عن جسد مكشوف العورة بإمكانها أن تستره دون أن يبالي بقيمتها وفخامتها.
ربما يحتاج الناس إلى قدر من الإقناع الذي يتسرب إلى نفوسهم، ويجعلهم يوقنون بأن ما يقدمونه للآخرين إنما يقدمونه لأنفسهم بالدرجة الأولى، وهذا ما يؤكده ديننا الإسلامي الحنيف الذي يحثنا على العطاء، وعلى التفكير بالآخرين، وعلى الإحساس بمعاناتهم.
كما أن عاداتنا الأصيلة تحثنا أيضاً على مراعاة الآخرين، وتقصي احتياجاتهم، وتقديم المساعدة لهم دون إحراجهم، لكن يبدو لي أن كل هذا تأثر بطغيان الجانب المادي على حياتنا، إذ تراجعت مساحات التفكير بالآخرين في مقابل امتداد مساحات التفكير بالذات.
المشكلة هي أن كثيرا من الناس يفضلون أن يتخلصوا من الأشياء الزائدة عن حاجتهم برميها أو إتلافها على أن يعطوها لشخص محتاج يتوقف جانب من حياته على توافر هذه الأشياء التي يرغب آخرون في التخلص منها. والحجج في ذلك كثيرة، لعل أهمها.
وهو ما نسمعه عند التخلص من الملابس الزائدة غالبًا، أن كثيرا من الناس يلجأون إلى أعمال السحر والشعوذة باستخدام هذه الملابس التي يعطيها لهم الآخرون من باب المساعدة، فتكون نقمة على المعطي، الذي يتعرض لضرر كبير بسبب ذلك. وبهذا يُحرم كثيرون من الحصول على الملابس التي يحتاجون إليها نتيجة سوء عمل بعض الأشخاص.
أما الطعام الذي يُرمى فهو مما لا يمكن أن يصدقه عقل، وبإمكاننا النظر إلى حاويات النفايات في المناطق السكنية المختلفة لنعرف أن ما يُستهلك من الطعام الذي يُطهى في مطابخ منازلنا أقل بكثير مما يؤكل منه. هذا هو الوضع الطبيعي سواء في الأيام العادية، أو في أيام المناسبات، الطعام يُرمى حتى دون أن يُمسّ، وفي الوقت نفسه هناك عائلات لا تجد ما تأكله على مدى أيام، ولكنها أيضاً لا تجد من يبحث عنها.
أو من يهتم بالبحث عنها وسدّ جوعها، في زحمة هذا العصر اللاهث، والحجة هنا هي «الناس الحمد لله كلها شبعانة«، أو «أين سنبحث عمن يريد هذا الطعام؟«!! وهذا ما يدلّ على أننا في حاجة إلى تكثيف الوعي بمفهوم العطاء، الذي إن استوعبناه بدقة سنستشعر اللذة التي يرتبط ذكرها كثيرا بذكره، وسيصبح عطاؤنا مصدر سعادة لنا، نكتسبها من رؤية اماراتها على وجه الشخص الذي يأخذ، ليتساوى عندها المعطي والآخذ في الإحساس بتلك اللحظة
جامعة الإمارات