عندما حطت بنا الطائرة على أرض مطار برلين، بدأت أعد الساعات التي سأقضيها في تلك المدينة (الشيوعية) التي أيقنت بأنها ستكون مملة جداً. وفي طريقي إلى الفندق ازداد يقيني بأنها ستكون رحلة طويلة، فالأشجار جافة والأرض قاحلة، فسألت سائق التاكسي عن السبب فقال لي بأن المدينة تودع الشتاء، وطبيعي أن تأخذ الأشجار وقتاً حتى يعود لها رونقها.
في اليوم التالي خرجت في الصباح الباكر لحضور سلسلة من الاجتماعات، وكلما توغلت بي السيارة داخل المدينة، كلما بدأ الشك يساور ذلك اليقين الذي أتيت به من بلاد العرب. فكل شارع به نصب تذكاري، وعلى كل منعطف يوجد عمل فني، وفي كل منطقة توجد قلعة أو متحف أو مسرح. بدت لي الرحلة وكأنها فيلم وثائقي عن الفنون والآثار، حيث لم ينفك مرافقنا يحدثنا عن هذا المعلم وذاك.
بعد أن حضرنا بعض الاجتماعات توجهنا إلى جزيرة المتاحف في برلين، وهي جزيرة بها سبعة عشر متحفاً منها المتحف الإسلامي. عند بائع التذاكر توقف أمامنا ثنائي لطيف، فسألت الفتاة عن سعر دخول المتحف، فقال لها البائع بأنه يمكنها أن تشتري تذكرة سنوية لدخول جميع المتاحف في أي وقت بمبلغ ما ـ وكان مبلغاً كبيراً مقارنة بالتذكرة اليومية ـ فأخرج الاثنان من محفظتهما بطاقات الائتمان دون أن يترددا واشتريا تذكرتين سنويتين على الفور.
في المتحف تعرفنا على حضارات عربية وإسلامية، منذ الأشوريين والبابليين وحتى القرن التاسع عشر، ووجدنا إلى جانب كل قطعة شرحاً مفصلاً عنها.
كنت كلما دخلت قسماً أشعر بأنني في آلة الزمن، حيث إن البوابات والغرف القديمة تمت إعادة تركيبها تماماً كما كانت مركبة في العصور القديمة، وذلك حتى يستشعر الزائر ذلك التاريخ ويتفاعل معه وكأنه يعيشه اليوم، وعندما سألت عن السبب قيل لي بأن الهدف من المتحف هو أن يمر الزائر بتجربة إنسانية تنقل إليه قيمة تلك الحضارات وليس التعرف على ملامحها فقط.
في المساء التقينا مدير المتحف الإسلامي، البروفيسور هازة، فطلبت منه أن يخبرنا كيف يشجعون الناس لحضور المتاحف، فقال لي بأن أكبر فئة مستهدفة هي فئة الشباب، حيث تفتح جميع المتاحف أبوابها في إجازة نهاية الأسبوع من الساعة التاسعة مساءً وحتى منتصف الليل ويكون الدخول مجانياً. في تلك الأثناء يكون الشباب قد خرجوا يهيمون على وجوههم بحثاً عن مقهى أو مكان يسهرون به، فيعرجون في طريقهم - من أو إلى غايتهم المنشودة - على جزيرة المتاحف، فيدخلون أو حتى يجلسون على السلالم الخارجية، يأكلون ويشربون ويتضاحكون. فسألته ألا يسيء ذلك إلى صورة المتاحف؟
فقال لي:«أبداً، فمن تجربتنا وجدنا أن الشباب بدأوا يعرفون المزيد عن الفنون والآثار، ونشأت علاقة ودية بينهم وبين المتاحف، والأهم من ذلك أننا استطعنا أن نقنعهم بأن المتاحف ليست حكراً على النخبة، وأنها ليست شيئاً مملاً أيضاً، فهي للجميع، وبها ما يهم كل فرد في المجتمع. وبهذه الطريقة تصبح المتاحف جزءاً لا يتجزأ من المجتمع بمختلف أطيافه».
في المساء حضرنا حفل أوركسترا لموسيقار متخصص في ألحان بيتهوفن، وعلى الرغم من أن الحفلة كانت في منتصف الأسبوع إلا أن القاعة كانت ملأى بالجمهور. رأيت أناساً يرتدون بدلات رسمية، وآخرين يلبسون القمصان القصيرة وبنطلونات الجينز، وعلى مدى ساعتين لم أسمع رنة هاتف واحد، بل إن أحد الحضور كان يتحرك على كرسيه في اللحظة التي توقفت فيها الفرقة عن العزف لتدخل في مقطوعة أخرى فأحدثت حركته صوتاً خفيفاً، فالتفت إليه من كانوا حوله.
عندما ركبت الطائرة متوجهاً إلى ميونيخ وقبل أن تتحرك الطائرة، مرت المضيفة بين الركاب وهي تحمل مجلات متنوعة، وكانت كلما توقفت عند شخص يأخذ عنها مجلة، جميع من في الطائرة أخذوا مجلات، وعندما توقفت بجانبي طلبت منها مجلة إنجليزية فناولتني واحدة، فحمدت الله على أنني لم أحرج أمام الآخرين. نعم، كنت سأحرج لو أنني جلست بينهم وأنا الوحيد الذي لا يقرأ مجلة، حتى عندما كنت آكل اضطررت إلى إبقاء المجلة مفتوحة أمامي لكي لا أبدو غريباً بينهم... فكلهم كانوا يقرأون طوال الرحلة.
قبل مدة كنت أشاهد برنامجاً على إحدى القنوات عن ساحر أميركي يطوف المدن ليقدم عروضاً حية في الشوارع، وفي أحد شوارع مدينة «لاس فيجاس» تحلق حوله مجموعة من الناس، فطلب من إحدى الحضور أن تتقدم إلى منتصف الحلقة، ثم وضع يده على وجهها فأغمي عليها، ثم بطحها على ظهرها وهي في الهواء. لم يصدق الحضور بأنها كانت تطفو في الهواء، فطلب منهم أن يتقدموا ويمرروا أيديهم من تحتها ففعلوا وصعقوا عندما أيقنوا أنها تطير فعلاً.
انتقلت الصورة من الساحر إلى مقابلة تلفزيونية مع بروفيسور في إحدى الجامعات الأميركية ليتحدث عن ظاهرة السحرة الذين بدأوا ينتشرون في أميركا، وعندما ظهر اسمه وتخصصه على الشاشة قرأت:«البروفيسور فلان، متخصص في تاريخ السحر» فالتفت إلى زوجتي وقلت لها:«حتى السحر به متخصصون وأساتذة، وكأن هؤلاء الناس قد تخصصوا في كل شيء وبدأوا يبحثون عن أشياء نادرة وغريبة ليتخصصوا بها... إنه ترف المعرفة».
إن المعرفة في عرف هؤلاء فرض عين، فعلى الكل أن يعرف ويتعلم، ليس المهم ماذا يعرف، المهم أن يعرف شيئاً، وهي في أدبياتهم تحدد قيمة المرء ومكانته في المجتمع.
فالموظف والسياسي والمعلم والطبيب، كلهم يعرفون في تخصصاتهم على الأقل الشيء الكثير، فالمعرفة هي هويتهم وهي التي تحدد مكانتهم ومكانهم في هذا الكون الكبير.
قد تكون الحاجة هي التي دفعتهم إلى التعلم، ولكن هذه الحاجة أصبحت عادة، وأصبحت العادة بعد ذلك قيمة حضارية من قيم تلك المجتمعات التي تضاءلت بها القيم الأخلاقية في تناقض عجيب.
في بعض مجتمعاتنا العربية أصبحت المعرفة غريبة، بل إنها أصبحت رذيلة عند بعض المترفين بالجهل، وأولئك الذين تمثل المعرفة بالنسبة لهم ضرورة من ضرورات الحياة مشتتون بين لقمة العيش ولقمة العقل.
باحث إماراتي