قامت إسرائيل خلال الأسبوع الماضي بمناورات شاملة لمدة خمسة أيام تضمنت تدريبات خاصة بالجبهة الداخلية وعلى النطاق العسكري والاجتماعي والاقتصادي وشاركت فيها معظم الوزارات ذات العلاقة ومجلس الوزراء ومؤسسات الدولة والجيش.

وقد أعطى رئيس الوزراء إشارة افتتاح غرف الحرب المختلفة في رئاسة الحكومة وفي سلطة الطوارئ القومية ووزارة الدفاع ودوائر الدفاع المدني الأخرى, وسميت هذه المناورات (نقطة التحول الثانية) دون أن نعرف ما هي نقطة التحول الأولى.

من الطبيعي أن تثير هذه المناورات الخشية في المنطقة, وفي العالم من عدوان محتمل على لبنان وسورية، ولذلك بعثت إسرائيل قبلها وخلالها برسائل إلى سورية ولبنان مفادها أنها (لا تنوي إشعال الجبهة الشمالية)، فأكد إيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية أن إسرائيل لا تملك خططاً سرية, وأن هذه المناورة ليست جزءاً من أي شيء آخر.

كما صرح إيهود باراك وزير الدفاع على التوازي في مقابلة مع جريدة دير شبيغل الألمانية (إن إسرائيل مستعدة للتفاوض مع سورية وهي تتفهم المطالب السورية). وبالإجمال حرصت الحكومة الإسرائيلية على التأكيد أن هذه المناورات تهتم باستكمال نواقص عسكرية ومدنية ودفاعية تحتاجها في حالة الطوارئ.

وذلك لأخذ العبر من عدوانها على لبنان عام 2006 وفشلها في تحقيق أهدافها وتسببها بكوارث نفسية واقتصادية وبشرية لإسرائيل تمشياً مع ما خلص إليه تقرير لجنة فينوغراد وإشارته إلى جوانب التقصير المختلفة السياسية والعسكرية والاجتماعية وإدانته الجيش والحكومة لتقصيرهما.

في الحالات كلها تطرح هذه المناورات الشاملة والأكبر في تاريخ إسرائيل تساؤلات جدية تتعلق بموعدها وحجمها وأهدافها في ظروف سياسية إقليمية قلقة جداً.

فهل هدفها الحقيقي هو فعلاً استكمال نواقص دفاعية إسرائيلية كما تزعم الحكومة الإسرائيلية أم هو إجراءات موجهة للداخل الإسرائيلي تريد إقناعه بأن الحكومة استفادت من الخيبات التي وقعت فيها ومن التقصير في العدوان على لبنان, وأنها الآن غدت بكامل استعداداتها الدفاعية، وبالتالي تريد إعادة ثقة المجتمع الإسرائيلي بنفسه وحاضره ومستقبله وإقناعه بقدرة حكومته وقوة جيشه.

ولذلك أكد إيهود باراك وزير الدفاع قبيل المناورة بأنه (يمكن لإسرائيل أن تنتصر على سورية وحزب الله, فهي مازالت الدولة الأقوى في محيط 1500 كم من القدس) لكن بعض المراقبين الاستراتيجيين في بلدان المنطقة والعالم وبعض الحكومات وأصحاب القرار يرون أن هذه الأهداف الإسرائيلية المعلنة صحيحة, ولكنها ليست كل شيء فهي جزء من الأهداف المتعددة والقضايا المستهدفة، بل ربما تكون أهدافاً ثانوية.

أما الهدف الرئيسي الذي يعتقده هؤلاء، فهو أن هذه المناورات جزء من استعداد أميركي إسرائيلي عسكري ولوجستي, ومن خطة أميركية إسرائيلية هدفها ضرب مواقع حيوية في إيران من قبل القوات العسكرية الأميركية بأوامر من إدارة بوش قبل رحيلها، ضربة ساحقة شديدة تشمل المفاعلات النووية الإيرانية ومصانع الأسلحة الكيماوية ومواقع الصناعات العسكرية والمنشآت الحيوية المدنية، ومعسكرات الحرس الثوري وبعض المواقع العسكرية التابعة للجيش، وستركز هذه الضربة على مقرات قيادات الصواريخ والدفاعات الجوية والطيران ومجمل مراكز القدرات العسكرية الإيرانية الحيوية وربما مراكز توليد الكهرباء ومصافي النفط وغيرها.

وتتخوف إسرائيل في هذه الحالة من أن تتعرض لقصف صاروخي من قبل حزب الله وسورية وإيران نفسها.

ولذلك فإن الهدف الرئيس لهذه المناورات هو الاستعداد لامتصاص الضربة الأولى ثم الرد العسكري الحاسم على سورية وحزب الله، وما إعداد الملاجئ في إسرائيل وتوزيع الأقنعة وتفعيل جميع إجراءات الطوارئ المدنية والعسكرية وتحديد مسؤوليات جديدة لمؤسسات الدفاع المدني ولمنظمات المجتمع المدني واستنفار مؤسسات الطوارئ جميعها إلا تدريباً حقيقياً على ما يمكن أن تتعرض إليه إسرائيل في حال عدوان أميركي على إيران.

ويعتقد بعض المراقبين أنه ربما تشارك إسرائيل نفسها في العدوان على إيران مما يعرضها للصواريخ الإيرانية ولذلك قامت بهذه الاستعدادات الشاملة.

تحتفل إسرائيل في شهر مايو المقبل بالذكرى الستين لتأسيسها وسيزورها في هذه المناسبة الرئيس بوش وربما بعض المسؤولين في دول العالم. وعلى ذلك فمن المتوقع أن لا يكون العدوان المحتمل على إيران ـ إذا حصل ـ خلال هذا الشهر بل في الشهر أو الشهور التي تليه مع أن رغبة الإدارة الأميركية وربما قرارها حسب التصريحات الصحفية ضرب إيران في شهر مارس الماضي ثم أجلت التنفيذ إلى وقت لاحق، ولعل زيارة ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي إلى بعض بلدان المنطقة كانت تهدف لدراسة الواقع الجيواستراتيجي والعسكري والسياسي عن كثب.

وخاصة المواقف السياسية للبلدان العربية (التي رفضت جميعها العدوان على إيران) ودراسة إمكانية أن تضرب إيران خليج هرمز بهدف إغلاقه رداً على أي عدوان أميركي بهدف إغلاق طريق رئيسي لتغذية أوروبا وأميركا بالنفط؟

إن الإدارة الأميركية بحاجة جدية لتحقيق نجاح ما قبيل رحيلها تعوض فيه هزائمها وأخطاءها وفشلها في العراق من خلال النجاح في إيران، لحفظ بعض ماء وجه الرئيس بوش من جهة, ومساعدة مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل من جهة أخرى، فهل ستنجح إدارة الرئيس بوش في تنفيذ ضربة مدمرة لإيران دون عقابيل؟ هذا ما يفترض أنها تضعه في حسبانها, وتعد للألف قبل التورط فيه مثلما تورطت في العراق سواء لخطأ في حساباتها أم للعمى السياسي والاستراتيجي الذي أصيبت فيه بسبب تعصبها من جهة, وحرصها على إسرائيل من جهة ثانية.

لقد أكدت سورية وحزب الله أن ليس لديهما لا النية ولا الرغبة في أي تصعيد عسكري، وعليه فلا ضرورة لمثل هذه المناورات التي لا مثيل لها في تاريخ إسرائيل، إلا إذا كانت وراءها نوايا عدوانية، ولعل هذا ما رفع درجة الشك والحذر لديهما.

كاتب سوري