بالرغم من إصرار الأوساط السياسية على انه لا عودة للحرب الباردة، إلا أن العديد من المحللين يعتبر أن المجتمع الدولي يعود مجددا إلى الحرب الباردة. خاصة عقب تصريحات الرئيس بوتين في مؤتمر الأمن الذي انعقد بميونيخ عام 2006، ولابد من القول إن هذا المفهوم يتضمن مغالطات متعددة، باعتبار أن الحرب الباردة لم تكن على الإطلاق حرب تصريحات وانتقادات، وإنما شملت مختلف أوجه النشاط السياسي والاقتصادي والعلمي.
ولعل تسطيح مفهوم الحرب الباردة بحيث يقتصر على التصريحات والانتقادات الحادة التي تصدر عن بعض السياسيين، يساهم في تقديم أوراق ومبررات للسياسة الأميركية العدوانية، كي تواصل نهجها الذي يعتمد مبدأ العنف وقمع الشعوب.
ومما لاشك فيه أن تحديد مفهوم الحرب الباردة سيمكننا من تقييم الوضع الراهن بشكل علمي ودقيق، حيث يستند مفهوم الحرب الباردة (التي بدأت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتبلور قطبين ونظامين سياسيين ـ اقتصاديين في العالم) إلى عدة سمات تختلف عن الوضع الراهن، وابرز سماته:
1ـ الحرب الباردة هي صدام وصراع بين نظامين مختلفين، يراعي كل منهما الإبقاء على نفسه، ما يدفعه لتجنب المواجهات الساخنة والمدمرة.
2ـ تقوم الحرب الباردة على مبدأ التوازن الاستراتيجي والذي يحقق مبدأ الردع المتبادل.
3ـ هي معركة أو صراع بين قوتين على مناطق النفوذ وبسط الهيمنة لهاتين القوتين لتقاسم النفوذ في العالم.
ومما لاشك فيه أن هذه الشروط لا تتوفر في الصراع الحاد الدائر بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم.
وإذا سلمنا جدلا بتوازن القوى الإستراتيجية بين البلدين، وإلا أننا لابد أن نقر بغياب مبدأ الردع المتبادل بسبب تنامي النفوذ الأميركي في مختلف مناطق وأقاليم العالم، بينما تراجع وتقلص النفوذ الروسي بعد انضمام روسيا إلى معسكر الرأسمالية.
ويعتبر المحللون الروس أنه بالرغم من استمرار التناقضات بين الدولتين، فقد تمكن بوش وبوتين من إنجاز مهمة إنهاء الحرب الباردة وفقا لتصريحات الرئيس الأميركي في قمة سوتشي الأخيرة وذلك عقب توقيع الرئيسين وثيقة «إعلان الإطار الاستراتيجي للتعاون الروسي الأميركي» التي تعتبر خريطة طريق للعلاقات الروسية ـ الأميركية على طريق التعاون في أربعة مجالات: تعزيز الأمن ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الإرهاب الدولي والتعاون الاقتصادي.
ما يعني أن مجالات تعاون متعددة أصبحت تربط روسيا مع الولايات المتحدة ومع الغرب وأوروبا، وانتهت مرحلة المنافسة الحادة وانعدام التعاون أو التواصل مع الدول الأوروبية، وهو ما يدفع الأوساط السياسية للاعتقاد بأن الحرب الباردة قد انتهت ولن تعود.
ولكن انتهاء الحرب لا يضع نهاية لسباق التسلح، ولا يعني أن المجتمع الدولي يعيش حالة من الاستقرار والسلم، لأن الحالة الراهنة أخطر من الحرب الباردة، في احتدام التنافس والصراع بين الشركات الروسية والشركات الغربية على مناطق النفوذ والربح، ويقوم هذا الصراع على مبادئ المصارعة الرومانية ومنطق البقاء للأقوى، إنه صراع تناحري تخوضه كافة الأطراف بهدف تصفية وإنهاء الأطراف المنافسة.
وخلافا للحرب الباردة بين القوتين المتباينتين فكريا اللتين تحرصان على عدم الإضرار بالنظم التي تمثلها، فإن العملية التناحرية والصراع الدائر اليوم في إطار النظام الواحد لا يشكل تهديداً لهذا النظام، وإنما سيقوى ويدعم هذا النظام، لأنه يحقق نظرية الاصطفاء الطبيعي والبقاء للأقوى والأصلح وفق معايير هذا النظام.
هذا يعني أن المجتمع الدولي يعيش على فوهة بركان، باعتبار أن الأطراف المتصارعة خرجت من نطاق الحرب الباردة، وتأثرها بسياسات حماية الأنظمة من الفناء إلى مرحلة الصراعات التناحرية لتقوية النظام الواحد الذي يسيطر على المجتمع الدولي، والذي اعتبره البعض النظام العالمي الجديد.
إن الأزمة العميقة التي تواجهها الولايات المتحدة ودول الغرب بشكل عام، والتي دفعتها للبحث عن مناطق نفوذ جديدة، وتبني برامج عسكرية لتنشيط اقتصاداتها، ستستمر، حيث ستضطر روسيا ودول الشرق التي يتم سلب أرزاقها للدخول في صدامات غير مباشرة، حول مناطق النفوذ.
إن إشعال الصراعات في البؤر الساخنة هو السبيل الذي اختارته واشنطن لتصدير أزماتها، وتنشيط اقتصاداتها لأنه يمكنها من توسيع نفوذها. وسيكون صراعها مع من يسعى لإيقاف هذا المخطط تناحريا. وقد لا تعتمد مبدأ الحرب الشاملة والمباشرة، ولكنه يستند إلى تفجير المواجهة في البؤر الساخنة.
ولعل ما يثير الدهشة أن الكرملين لا يستوعب أو لا يدرك سبب الحملة الغربية التي تفرض حصارا على روسيا، بدءاً من توسع الناتو شرقا عبر ضم الجمهوريات السوفييتية السابقة لعضوية الحلف، مرورا بالبدء في نشر الدرع الصاروخية الأميركية على الحدود الروسية، وانتهاء بدعوة أوروبا لتنويع موارد الطاقة والتخلي عن الغاز الروسي، بل ودعم كافة المحاولات في وسط آسيا أو من جانب إيران لتوريد الطاقة إلى أوروبا، بمعزل عن روسيا.
بالتأكيد دهشة الكرملين أو عدم إدراكه لأسباب هذه الهجمات هي التي تثير الدهشة حيث أن فلاديمير بوتين يؤكد في تصريحاته الرسمية أن روسيا قد أصبحت جزءاً من نظام الاقتصاد الحر، ودولة من دول المجتمع الديمقراطي، ويعتبر بالتالي أن حالة الصدام الحاصل غير مبررة وغير مفهومة! ويعتبر الرئيس بوتين أن عودة الحرب الباردة أمر مستحيل، باعتبار أن أوروبا لا تشهد انقسامات أيديولوجية.
ومما لاشك فيه أن روسيا قد أصبحت جزءاً من نظام الاقتصاد الحر، ما يعني أنها تريد اقتسام الثروات والغنائم مع بقية عمالقة هذا النظام، ولا تدرك أنها نفسها قد حسبت من الغنائم التي يريد قادة العالم»الحر» ابتلاعها. وهذا هو القانون الأساسي للاقتصاد الحر... التنافس والاصطفاء الطبيعي أي البقاء للأقوى.
مركز دراسات الطاقة الروسي