سؤال محير للغاية، لماذا تفشل كل المساعي في حل الخلافات بين العرب وبعضهم؟، الفلسطينيون بكافة فصائلهم وبرغم كل أشكال المعاناة التي يعانيها الشعب الفلسطيني، والتي لم ير لها التاريخ الحديث مثيلا، وبرغم مئات القتلى من الأطفال والنساء والشيوخ وبرغم الدمار والحصار والجوع والمرض.
وبرغم اليقين القاطع لدى الأطراف المتخاصمة من أن عدوهم هو المستفيد الأكبر وربما الوحيد، برغم كل هذا فشلت كل مساعي المصالحة والحوار والتفاهم بينهم، وكل طرف يعتبر نفسه على حق والآخر على باطل، ولكل منهما حواريوه ومناصروه من كتاب وشعراء وإعلاميين وسياسيين وغيرهم، وكل يتهم الآخر بأبشع الاتهامات من خائن وعميل وإرهابي ومرتزق وغيرها، والمدهش أنهم يهرولون عندما يدعوهم أحد للتصالح وبشكل يوحي وكأنهم بالفعل على وشك التصالح، لكنهم يذهبون وهم على يقين تام بأنه لا فائدة من المساعي وأنه لا تصالح، وكأنه بالفعل حوار طرشان.
وفي لبنان نفس المسرحية الهزلية الممتدة بنفس الفصول الطويلة المملة، مساعي الصلح والحوار والتفاهم دائرة ويلتقي الخصوم وينفضون وهم كما هم، ويعودون يكيلون لبعضهم البعض نفس الاتهامات بالعمالة والإرهاب والخيانة والاستقواء بالخارج، والغريب أن كليهما لا ينكر استقواءه بالخارج، لكن كلا منهما يثق كل الثقة في شرعية هذا الاستقواء لأنه يبحث عن مصلحة الوطن.
والأمور تكاد تكون متشابهة أيضا في أماكن ودول عربية، والقاسم المشترك بين جميع هذه الحالات هو «معاناة الشعوب»، هذه الشعوب التي نفد صبرها وزادت معاناتها إلى حد الهاوية والانهيار، وباتت تتعلق قلوبها بلهفة شديدة لكل محاولات ومساعي التصالح والتسوية، ولا يهمها من يستقوي بمن حتى لو كان بالشيطان، فقط شعوب تريد الحياة في أمان مثل باقي الشعوب، ولكن ليس من مستجيب لهذه الشعوب، وتذهب كل المساعي سدى، وتجتمع القمة وتنفض ولا فائدة.
لقد أبطلت معاناة الشعوب ونذر الحرب والدمار والقتل كل الحجج والاتهامات، وحتى منها الاتهام بالاستقواء بالعدو، كل شيء.. مهما كان يمكن أن يقبل الحوار والتسوية والاتفاق من أجل الشعوب والأوطان، والأمثلة على ذلك كثيرة سواء عندنا نحن العرب أو في الخارج، وآخر الأمثلة الواضحة أمامنا مثل الشمس النزاع الذي وقع الشهر الماضي في أميركا اللاتينية بين كولومبيا من جهة وفنزويلا والإكوادور ونيكاراجوا من جهة، وهو نموذج واضح فيه الاستقواء بالعدو تماما.
حيث واشنطن العدو للثلاثة تدعم كولومبيا كل الدعم وتسعى بجدية وصراحة تامة لتفجير الوضع وللقضاء على أنظمة الحكم في الدول الثلاث الأخرى، ووصل الأمر إلى حد النزاع المسلح ودخول القوات الكولومبية أراضي الإكوادور وأرسلت فنزويلا قوات إلى حدودها مع كولومبيا لمساعدة الإكوادور وانضمت لهما نيكاراجوا، وأصبح الوضع على وشك الحرب، وواشنطن تصب الزيت على النار، ولكن بإدراك وطني سريع وبدون تردد يتوجه الرئيس الكولومبي الفارو يوريبي «المستقوي بواشنطن» إلى قمة «مجموعة ريو» ليبادر بمصافحة خصومه الثلاثة.
وأكثر من ذلك يقدم الاعتذار علنا في القمة للإكوادور، ويقبل الخصوم الثلاثة التصالح بابتسامات وصدر رحب وينتهي النزاع، وذلك رغم بقاء الخلافات الجذرية المتأصلة بين الطرفين والتي هي أصعب وأعقد بكثير من الخلافات العربية - العربية، هناك لم يفلح الاستقواء بالخارج في إثناء القادة المخلصين بحق لأوطانهم عن تفادي الحرب والمأساة والمعاناة لشعوبهم.
هل هم هناك في أميركا اللاتينية يحبون شعوبهم وأوطانهم أكثر منا؟
إذا لماذا نجح جمال عبد الناصر ونجحت القمة العربية الطارئة عام 1970لوقف أحداث أيلول الأسود بين الأردن والفلسطينيين، هل كان عبد الناصر محبوبا من الأنظمة العربية الحاكمة التي لبت دعوته على الفور وجاءت جميعها مسرعة للقاهرة؟، هل لم يكن آنذاك استقواء بالخارج واتهامات بالخيانة والعمالة للعدو الصهيوني؟، بالقطع لا.. كان الاستقواء موجودا وكانت الاتهامات علنية وصريحة.
إذا ماهو السبب وراء الفشل الذريع والدائم لكل هذه المساعي واللقاءات والمبادرات والقمم؟
على ما يبدو أنه «الزمن».. فارق كبير بين زمن الكرامة والإرادة الوطنية وزمن الانحطاط الذي يحضر فيه كل شيء ما عدا مصالح الشعوب.