انطوى تجاهل المصير السياسي لعرب 48، بنظر الغاضبين، على رضاء ضمني من أصحاب التسوية عن أسرلة هذه الجماعة وخلعها من أرومتها العربية الفلسطينية. وذهبت توقعات البعض إلى احتمال نبذ عرب 48 لمحور القضية الفلسطينية الأم كليا من انشغالاتهم أو تراجعه إلى ذيل أجندتهم السياسية في أفضل الفروض.

وبدا هذا الاحتمال أقرب ما يكون إلى التجلي عن أرض الواقع عبر مؤشرات بعينها..مثل شيوع مقولة «نقبل ما تقبل به منظمة التحرير الفلسطينية» بين قطاعات سياسية واسعة من عرب48، ورفع شعار الدفع بإسرائيل إلى الأخذ بمفهوم دولة كل مواطنيها لتحقيق هدف المساواة بالنسبة للأقلية العربية، والتوسع في أنماط المشاركة السياسية داخل النظام الإسرائيلي من خلال ازدياد الأحزاب العربية وارتفاع معدلات التصويت في الانتخابات العامة. وأهم من ذلك كله، الإقدام على منافسة الوسط اليهودي بخصوص أعلى مناصب الدولة.

كانت هذه المؤشرات قوية في دلالتها، بحيث ساقت البعض للحكم على عرب 48 بالغياب خلف أفق غامض داخل أحشاء النظام الإسرائيلي. ومع ذلك فإنها لم تغلق باب التساؤلات حول أمور جوهرية. فإسرائيل بتعريفها الحقيقي لا تستطيع ولا يسعها أن تكون دولة كل مواطنيها. إنها «دولة اليهود»®.وهي نتاج مشروع مفعم وموشى بالأبعاد التوراتية،التي يعد التفاوت العنصري جزءاً أصيلا من بنيتها السكانية والقانونية والسياسية. وأي تنحية لهذا التفاوت تؤذن بزوال ميزة الدولة ومبعث وجودها.. فمن هي تلك القوة الإسرائيلية التي تطوع لها ذاتها قبول الأقلية العربية على قدم المساواة رأساً برأس مع يهود الدولة، حقيقة لا شعاراً؟.

ثم إن عرب 48 بالذات ليسوا كأي أقلية في أية دولة .. إنهم أقلية في دولة تشكل هي ذاتها أقلية في محيطها الإقليمي القومي العربي، الذي ينتمي إليه هؤلاء العرب. ولذا فإن نداء الأصول القومية العربية (أو الوطنية الفلسطينية الأضيق) سيظل قائماً صباح مساء أمام أنظار عرب 48 مثوله في عقلهم ووجدانهم الجمعي.

معنى ذلك ومؤداه، وقوع عرب 48 بين خيار إسرائيلي لافظ لهم بالحتمية بسبب العقيدة الصهيونية، وخيار قومي عربي أو وطني فلسطيني يصعب أن لم يستحل زواله بالكلية. وهذا الواقع، يتناقض على مرارته والزعم بإمكانية غيابهم الأبدي في جوف المشروع الصهيوني مهما اتشح بالديمقراطية الليبرالية.. فما هي حقيقة الأمر، وأي مصير ينتظر هذه «الأقلية»؟.

كان تقديرنا وما زال أن كثافة مظاهر تعاطي فلسطينيي 48 مع النظام الإسرائيلي والتركيز على قضية أو محور المساواة، لا تكفي للحكم القاطع بطغيان الأسرلة على العروبة و الفلسطنة بينهم. التفسير الأقوى منطقياً، هو الذي يتخذ من هذه المعطيات مؤشرات على المواقف وليس على الاتجاهات. والفرق بين المفهومين كبير، إنه فرق المتغير الطارئ من الثابت الأصيل.

الموقف (الطارئ) يصلح كقرينة مؤقتة، فيما يبقي الاتجاه (الثابت) أكثر صلاحية لاستكناه القناعات الوجدانية القابعة في تضاعيف الثقافة، التي تبرز باندفاعه قوية فوارة إذا ما تم استدعاؤها في لحظات حاسمة فارقة. هذا ما حدث بالضبط بالنسبة لفلسطيني 48 في أكثر من لحظة ذروة تتطلب التعبير عن الذات والهوية والانحيازات الأساسية.

ومن ذلك تضامنهم الملحوظ مع الانتفاضة الأولى، ثم مشاركتهم الأقوى في الانتفاضة الثانية (وقد سقط منهم أربعة عشر شهيداً في أيامها الأولى)، ومداخلاتهم على خطوط التفاعلات بين فصائل النظام الفلسطيني للإصلاح وتعزيز الوحدة الوطنية، وملء الفراغ بأداء الصلاة في المسجد الأقصى بعشرات الألوف حين يستعصى ذلك على أبناء الضفة وغزة بسبب الإجراءات الإسرائيلية، تأكيداً لهوية القدس وأقصاها وهويتهم هم أنفسهم أيضاً.

ونحسب أن معركة خدمة العلم المفتوحة عليهم راهناً تقع ضمن نماذج هذه اللحظات. إن فلسطيني 48 يدركون أن علم إسرائيل المدعوون لخدمته ليس ككل الأعلام ولا دولته كباقي الدول!. هم يدركون أنهم بصدد علم يرفرف على دولة قامت على أنقاض حيواتهم بكافة أبعادها، وأنهم الأصل فيما هذه الدولة وعلمها هما الطارئان. وأنه ليس على الطارئ أن يكره الأصيل على ما لا يريد.

كاتب فلسطيني