يوم 21 يوليو 2004 شهدت العاصمة الأفغانية بدء محاكمة قل نظيرها، إذ ان المتهم الأول فيها ويدعى جوناثان كي إيديما أنشأ سجنا خاصا وتولى مع آخرين مهام خطف أفغان وتعذيبهم وإبقائهم رهن الاحتجاز، وقبيل دخوله قاعة المحكمة فجر المتهم قنبلة من العيار الثقيل.
إذ أكد أن لديه أدلة تثبت عمله لصالح البنتاغون واتصالات منتظمة بالبريد والهاتف والفاكس مع مكتب دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي وقتها، وأن القوات الأميركية غضت الطرف ودعمت بشكل مباشر ما كان يفعله، لكن الخارجية الأميركية نفت أي صلات بإيديما وجماعته وقالت إنهم مرتزقة، وقتها أكدت التقارير الإعلامية الغربية أن المكافأة التي عرضتها واشنطن لمن يساعد في القبض على قياديي القاعدة اجتذبت كثيرا من الأجانب الباحثين عن الثروة إلى أفغانستان.
تمر الأيام وينسى الناس قصة جوناثان كي إيديما بجنونها وساديتها كما ينسون مازوشية مجتمعاتنا العربية والإسلامية المخجلة، لكنهم يستيقظون يوم 16 سبتمبر 2007 على حادث أنكى في العراق، إذ ان المرتزقة أشباه ايديما لم يحتجزوا العراقيين هذه المرة، وإنما توجهوا إلى ساحة النسور في بغداد وهم كالمجانين وفتحوا النار على كل من تصادف مروره فقتلوا 17 مدنيا بينهم نساء وأطفال وأصابوا 24 آخرين بذريعة أن موكبا دبلوماسيا كان يحرسه مرتزقة «بلاك ووتر» تعرض لإطلاق نار أثناء مروره بالساحة، وبعد نصف ساعة من انسحاب الموكب وحراسته إلى المنطقة الخضراء عادت قافلة من أربع مركبات تابعة للشركة وارتكبت المجزرة دون أن تطلق عليها طلقة واحدة.
ونظرا لبشاعة ما حدث فإن مجلس النواب الأميركي أخضع رئيس الشركة ايريك برينس للاستجواب، كما تولى الإف بي آي التحقيق في الحادث، لكن يبدو أن الأميركيين يعرفون أن العرب يغضبون وفجأة ينطفئ غضبهم لأنهم ينسون الأحداث والوقائع بسرعة تفوق التصور، لذلك جددت الخارجية الأميركية قبل أيام عقد «بلاك ووتر» لتعمل عاما آخر في العراق دون انتظار لنتائج التحقيق.
ووجهت بذلك صفعة مدوية لحلفائها في الحكومة العراقية، إذ انها تتضمن رسالة مفادها أنكم غضبتم أو رضيتم لن يتغير شيء، واتضح أيضا أنه مثلما تكونت أميركا بفعل فائض بشري أوروبي من اللصوص والقتلة والأفاقين والأفاكين، فإن أميركا تنفض الآن فوائضها من نفس النوع عبر شركات الأمن الخاصة، وعلى رأسها بلاك ووتر.. وذلك كي يستريح المجتمع لبضع سنوات من مجانين بمئات الآلاف كهؤلاء.
الشهود في الحالتين (حالة ايديما وحالة بلاك ووتر) يؤكدون أن الناس كانوا يتصرفون كالمجانين فعلا، فقد مارسوا السادية والتعذيب في أفغانستان، وقتلوا النساء والأطفال بدم بارد وبشكل جماعي في العراق لم يرحموا من ظل في سيارته أو حاول الفرار منها، لدرجة أن مسؤولين عراقيين عينهم الاحتلال وصفوا ما حدث بأنه «الإرهاب عينه» ووصفه شهود بأنه «الجحيم بعينه، مثل المشاهد التي نراها في الأفلام».
المرتزقة لا يخضعون للقانون العراقي ولا للقوانين العسكرية الأميركية ولذلك هم بعيدون تماما عن أي مساءلة مهما مارسوا من إجرام، والكارثة أن عددهم ليس بضعة آلاف يمكن احتمالهم والابتعاد عن طريقهم بل يعمل أكثر من 160 ألفاً منهم في العراق ونحو 36 ألفاً في أفغانستان، وإذا كانت أميركا شنت حربها على العراق وأفغانستان تحت ذريعة وجود عشرات من إرهابيي القاعدة فإنها جلبت للبلدين نحو 200 ألف إرهابي لا يخضعون لقانون ولا يمكن وقف جرائمهم بأي وسيلة.
هل يمكن لعاقل بعد كل هذا أن يتحدث عن إرهاب ينبت من المنطقة العربية، إذا لم تنبت الأرض إرهابيين يواجهون إرهاب المرتزقة الآتين من وراء المحيطات تكون عقيمة، ولا أظنها كذلك.