القمة العربية العشرون التي تصادف انعقادها هذا العام في العاصمة السورية، ارتباطاً بإقرار مبدأ الأبجدية، عبرت بشكل صارخ عن واقع الحال العربي، الذي يزداد تدهوراً وتراجعاً، رغم كثرة التحديات التي تطرحها جملة متزايدة من الأزمات فضلاً عن تضارب الاستراتيجيات الدولية والإقليمية التي تتكالب للسيطرة على المنطقة.
الزعماء العرب الذين حضروا القمة، ولم يكونوا في السابق يستمعون لشكاوى وانتقادات المواطن العربي، أبدوا تطرفاً في تشخيص مدى رداءة الوضع، وتخوفاً من المستقبل، فإن كان هذا هو حال القادة والزعماء، فكيف لنا أن نتصور حال المواطن، والمجتمعات العربية، التي تعاني من مشكلات الفقر والبطالة والجهل والمرض، والتهميش، والفساد بكل أشكاله وأنواعه، والقهر والتفكك الاجتماعي والتخلف وضعف معدلات التنمية، وكلها قضايا لا تجد القمة التي تنعقد كل مرة على مدار يومين، فرصة لمناقشتها.
استعراض جدول أعمال القمة، وأغلبية القمم السابقة، يشير إلى أن القادة العرب يركزون مناقشاتهم وخلافاتهم وقراراتهم على الأزمات والقضايا ذات الطابع السياسي، وعلى التهديدات والمخاطر التي تتصل باستقرار النظام السياسي العربي، ففي قمة دمشق جرى تناول العلاقات العربية، وموضوع الأزمة في لبنان، والأوضاع الفلسطينية.
ولم يجر تناول أزمة دارفور في السودان، وأزمة احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى، والصغرى وأبو موسى، وما يجري في العراق. ويلفت النظر أن القادة العرب الذين يدينون الإرهاب أنهم هم أنفسهم يتجنبون تناول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تدهور وتردي الحال العربي على المستويين القطري والقومي من كافة الجوانب.
يتجاهل القادة العرب أن الأنظمة الرسمية القائمة تواجه أخطاراً جسيمة، بسبب الأطماع الاستعمارية، الدولية والإقليمية، وفي الوقت ذاته تواجه حالة انعزال عن جماهيرها ومجتمعاتها بما يجعل معظمها تجلس على براميل من البارود بسبب القهر الاجتماعي، وكل أشكال التخلف.
أما وأنهم يحصرون مناقشاتهم بالقضايا السياسية الكبرى التي تتسم بالأزمة فإن علينا اعتماد معايير موضوعية للحكم على نتائج تلك المناقشات، بعيداً عن المعايير الشكلية التي تجعلهم يتحدثون عن نجاح القمة، انطلاقاً من معايير القدرة على الانعقاد، والاتفاق على الصيغ والقرارات، التي يتخذونها.
في معايير النجاح والفشل، لا يمكن أن نتجاهل أسباب غياب نصف القادة العرب عن حضور القمة، بما في ذلك زعماء لدول ذات أوزان ثقيلة ومؤثرة، مثل مصر والسعودية، والمغرب، واليمن والأردن. وبغض النظر عن أسباب الغياب إن كانت تتصل بالموقف من الأزمة اللبنانية، وما يقال عن دور سوريا في إفشال المبادرة العربية بشأن لبنان، أو إن كانت بحسب إدعاءات كثيرة تربط بين الغياب والضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة لعزل سوريا، وإفشال القمة، فإن هذا الغياب يشكل عنوان أزمة في الوضع العربي.
وإذا أضفنا هذه الأزمة في العلاقات العربية - العربية، إلى جملة الأزمات التي تنخر جسم الأمة المنهك، من الصومال، إلى استمرار الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث، إلى أزمة دارفور، ولبنان، وأزمة العملية السياسية، والأزمات الفلسطينية، وأزمة الصحراء الغربية، والجرح الغائر والمفتوح في العراق، إذا أضفنا كل ذلك، فإن معيار النجاح والفشل يتصل بقدرة أو عجز هذه القمة أو تلك عن معالجة هذه الأزمات، وإن يكن واحدة تلو الأخرى.
بالنظر إلى هذا المعيار، فإن ما نجم عن قمة دمشق لا يتجاوز عملياً ما نجم عن القمم السابقة، فالقرارات تعكس صيغاً تساومية بين الأطراف العربية المختلفة، أكثر مما تقدم صيغاً لمعالجة الأزمات محل الاهتمام.
القمة التي سبقت انعقدت في العاصمة السعودية الرياض، واتخذت قرارات مشابهة لقرارات القمم التي سبقتها ولقرارات قمة دمشق، حتى لو عثر البعض على تغيير في الصياغات، والمصطلحات المستخدمة، والسعودية كما الدول التي استضافت القمم التي سبقت، أبدت إخلاصاً وحرصاً شديداً على إنجاح القمة، وعلى متابعة قراراتها، غير أن النتائج جاءت غالباً، نحو المزيد من التراجع، وفي هذه الحالة فإن من الظلم أن تتحمل السعودية أو سوريا كدولة مضيفة للقمة، المسؤولية عن ذلك التراجع، ذلك أن النتائج العملية هي محصلة الوضع العربي بأكمله.
من الواضح أن معدلات التراجع العربي العام إزاء مجابهة التحديات والمخاطر الخارجية والداخلية تفرض على القادة، ومن يدور في فلكهم من سياسيين وإعلاميين، تراجعاً في معايير التقييم والحكم، إلى أن أصبح مجرد انعقاد القمة بحد ذاته يشكل نجاحاً يستفيض المسؤولون في شرح أهميته وعظمته.
أما الطامة الكبرى والتي تتسم بطابع تاريخي يشمل معظم القمم العربية، فتتصل بالهوة الواسعة، والتي تتزايد باستمرار بين ما يتخذ من قرارات جماعية كحلول وسط تعكس تضارب السياسات والاتجاهات القطرية، وما يتم تنفيذه على أرض الواقع مما يحول قرارات القمم إلى مجرد بازارات كلامية، أو سوق عكاظ شعري ، ما ان ينتهي حتى يعود كل زعيم عربي لمتابعة السياسة كما كانت قبل القمة.
فلقد سبق للقمم العربية أن وقفت أمام العدوان الإسرائيلي واتخذت قرارات بكسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، ومنذ خمس سنوات أقرت قمة بيروت المبادرة العربية للسلام، وفي كل مرة يجري اتخاذ قرارات بتقديم الدعم للشعب الفلسطيني، لكن شيئاً من هذا لم يقع، وما وقع بشكل محدود خصوصاً على مستوى الدعم، تم بموافقة أميركية.
وفيما يتصل بأزمة لبنان، أقر العرب مبادرة للحل، وبذل أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، جهوداً جبارة لإقناع الأطراف بقبولها وتنفيذها، وها نحن نشهد تفاقم الأزمة، وغياب لبنان عن القمة، واستمرار وتصاعد الخلافات اللبنانية، والعربية بشأنها، وربما يؤدي استمرار هذه الأزمة اللبنانية إلى تعميق الخلافات بين بعض الدول العربية ووصولها إلى حدود مأساوية.
أما أزمة الصحراء الغربية فقد تركت للزمن، وتركت أزمة الصومال للقوى الإقليمية والدولية، كما تركت أزمة دارفور والسودان، لجهات كثيرة أقلها تأثيراً العامل العربي، فيما تركت قضية الجزر الإماراتية الثلاث إلى التاريخ وإلى مصير الأوضاع في المنطقة، وترك العراق للمتصارعين فيه وعليه.
هكذا كان الأمر بالنسبة للقمم السابقة وهذا هو الحال في قمة دمشق، وإن كان المواطن العربي قد فقد الثقة بالقمم العربية والعمل العربي المشترك وبالنظام العربي الرسمي، كما اعترف بذلك عمرو موسى في افتتاح القمة الأخيرة، فإن كل اجتهادات القادة وشطارة إعلامهم الرسمي، لن تنجح في تضليل المواطن العربي، ولن تنال من مناعته وقناعته بما تلمسه يداه، وتراه عيونه.
كاتب فلسطيني