سألت مجموعة من الأصدقاء عن رأيهم في قضية جزر الإمارات المحتلة من قبل إيران، فعرف أحدهم اسم جزيرتين فقط من الجزر الثلاث، والبقية استمروا في (سوالفهم) ، مثل أخبار لاعبي كرة القدم الدوليين، والمبالغ التي بيعوا بها وغير ذلك من المواضيع الاستراتيجية التي تهم جميع الخليجيين.

سألت مجموعة أخرى عن احتمالات قصف أميركا لإيران فقالوا ان الموضوع برمته عبارة عن دعاية مغرضة من قبل الأميركان، والبعض قال ان القوات الإيرانية أقوى بكثير من القوات الأميركية الموجودة في المنطقة، فسألته إن كان يشك بأن مفاعل «بو شهر» به أسلحة نووية، فقال لي: «منو بو شهر؟».

سؤال آخر: ما رأيكم بالتركيبة السكانية في الإمارات؟ جواب: نحن المواطنون أقلية. سؤال: ما رأيك بمستوى التعليم في الإمارات؟ جواب: أحس أن التعليم لدينا جيد. فكانت ردة فعلي: لم أسألكم عن مشاعركم ولكنني سألتكم عن آرائكم.

هذا هو الحال في الإمارات، ولا أريد أن أقول ان كل الإماراتيين هكذا، فكما قال توفيق الحكيم: كل جملة تبدأ بكل فهي خطأ ولكن هذا هو الحال العام في الإمارات، وهو انحسار الرأي العام وغيابه عن الساحة، ولا أعني بالرأي العام أي رأي واحد لجميع الإماراتيين، ولكن أعني أن توجد (آراء) لدى الإماراتيين، بمختلف فئاتهم الاجتماعية، في القضايا الحيوية، سواء كانت تلك الآراء صائبة أم مخطئة، سلبية أم إيجابية، المهم أن يوجد رأي... أي رأي.

الشيء الوحيد الذي يبدي الناس آراءهم فيه دون تردد أو خجل هو ازدحام الشوارع في دبي، فكلما سألت ـ ولو بصورة غير مباشرة ـ عن الازدحام يتحول كل شخص إلى مهندس طرق أو أخصائي في تخطيط المدن والشوارع، ورأس مال كل هؤلاء من العلم هو تطوافهم في الشوارع ليل نهار. فعندما يذكر الازدحام يدلي كل بدلوه، ويطرح كل شخص نظرياته التي يعتقد تمام الاعتقاد أنها أصح من نظرية فيثاغورث.

والشيء الوحيد الذي يجتمع عليه كل (منظري الطرق) هو فشل هيئة الطرق والمواصلات في مواجهة الازدحام ـ وهو أمر لا أتفق معهم فيه ـ أما عدا ذلك من قضايا فإنه يبدو أن الرأي العام الإماراتي يترفّع أو يتخوف من الخوض فيها.

عندما نطالع الصحف المحلية في الإمارات لا نرى كتاباً مواطنين في باب الرأي إلا ما ندر، مع علمنا بأن الإمارات تزخر بمثقفين وأكاديميين متخصصين في مختلف مجالات المعرفة، ولكي أكون أكثر دقة فإنني أود أن أفرّق بين كتّاب الشأن المحلي، الذين يقومون بدور جيد في مناقشة ومعالجة بعض القضايا المحلية، والكتاب المتخصصين في القضايا الحيوية الأخرى.

فمحلياً، هناك كوكبة مشرقة من أبناء الإمارات تسعى دائبة إلى وضع أياديها على جروح المجتمع وتعمل على معالجتها باستمرار، إلا أن طرح زملائنا المحليين يبقى حكراً على القضايا المحلية البسيطة، أما القضايا المجتمعية الكبرى فهم يشتركون مع الكتاب المتخصصين في الإحجام عن سبر أغوارها ومحاولة حللتها أو على الأقل تحليلها وإيصالها إلى القارئ بصورة سلسة وبسيطة.

لذلك نجد أن معظم كتاب الرأي في صحف الإمارات هم من غير الإماراتيين، بل من غير الخليجيين أيضاً، والقلة الإماراتية التي تكتب لا تجد من يتفاعل معها من أفراد المجتمع، وبالتالي وصل بعض الكتاب إلى حد اليأس من الكتابة في الصحف المحلية ورحلوا إلى الصحف الخليجية التي وجدوا فيها قراءً يتفاعلون مع أطروحاتهم، ويشاركونهم أو يخالفونهم الرأي، فليس المهم أن يتفق القارئ مع الكاتب، ولكن الأهم أن يتفاعل معه.

لقد أصبح المثقف الإماراتي شبيهاً بالممثل المصري، ففي مصر ترى نفس الوجوه السينمائية قبل عشرين عاماً مازالت تتصدر بطولة الأفلام والمسلسلات حتى أصبح المسلسل الذي يخلو من إحدى تلك الوجوه القديمة غير جدير بمتابعة الجماهير. جلست مرة مع مجموعة من الزملاء لمدة ساعة كاملة لنضع قائمة بالأدباء الإماراتيين، فلم نتوصل إلا إلى عشرة أسماء فقط! أعلم أن في الإمارات أسماءً كثيرة ولكنها لسبب أو لآخر ترفض أو لا تستطيع الظهور على الساحة وبالتالي تبخس حق الثقافة في الساحة الإماراتية.

إن غياب أو تغييب المثقفين عن الساحة أشبه بإعطاء أفراد المجتمع جرعة مخدرة، فلا يفكرون ولا يتكلمون في أي قضية كبيرة كانت أم صغيرة، فتنعدم لديهم القدرة على تحليل الأوضاع من حولهم ويعجزون عن إبداء آرائهم فيها. اقرأ الصحف العربية وقارن الكتاب الإماراتيين بالكتاب السعوديين على سبيل المثال ـ مقارنة نسبية وليست عددية ـ وستجد أن معظم كتاب الخليج هم من السعودية.

وستجد أن كتاباً كثراً ليسوا سعوديين يناقشون قضايا داخلية سعودية، وهذه في رأيي بادرة إيجابية، وعلى الأشقاء السعوديين أن يستثمروها لمصالحهم الوطنية. فالقضايا السعودية أصبحت قضايا خليجية في كثير من الأحيان، وخصوصاً قضايا الفكر التي تسافر عبر الأثير، وعلى صفحات الجرائد وشاشات الإنترنت.

إن وجود رأي عام في أي دولة هو دليل على مدى الرقي الحضاري والفكري لتلك الدولة، ففي معظم الدول المتقدمة توجد مؤسسات حكومية وغير حكومية متخصصة في قياس الرأي العام ومعرفة تغيراته مع الوقت، ومن دون ذلك لن يستطيع متخذ القرار أن يبني قراراته على أسس صحيحة، ومن دون ذلك أيضاً فإن نبض الشارع يأخذ بالتسارع ليصل إلى حد الخطر.

أضف إلى ذلك أن قياس الرأي العام وعرضه للمجتمع يساعد الحكومات على توجيه الرأي العام لخدمة مصالح وطنية مهمة، فعلى سبيل المثال تم استخدام الاستفتاءات التي تجريها المؤسسات الإعلامية الأميركية الكبيرة والجهات المتخصصة لإقناع الشعب الأميركي بأهمية غزو العراق، وحالياً تستخدم نفس هذه الوسائل لإقناع الشعب الأميركي، بل العالم أجمع، بخطورة إيران وضرورة إيقافها حتى لا تصنع قنبلة نووية. وعلى الرغم من نفي وكالة الطاقة الذرية لذلك وتطمينها العالم بأن نهج إيران هو نهج سلمي، إلا أن الرأي العام الأميركي يرفض تماماً الاقتناع بذلك.

إن أقوى وسائل صناعة الرأي العام هم المثقفون والكتاب، وبدون كتاب متخصصين وجريئين يبقى المجتمع يراوح مكانه بين أخبار كرة القدم وبين نهائيات شاعر المليون، ولا أعلم إن كان هناك خجل أم خوف من قبل المثقفين الإماراتيين حتى يغيبوا عن الساحة؟ أم هو تجاهل من الأكاديميين والخبراء تجاه القضايا الوطنية الكبرى؟ أم أنهم آثروا أن يعملوا ويأكلوا ويربوا أبناءهم ثم يرحلوا عن هذه الدنيا وكأنهم لم يدخلوها يوماً؟

قبل أن يحكم قضاة أثينا على سقراط بالموت منحوه فرصة أخيرة لكي يعتذر إلى الشعب، وإن قبل الشعب اعتذاره فإنهم سيبرئونه، إلا أنه رفض ذلك، فرفض الشعب تبرئته لأنه ـ في اعتقادهم ـ قد أهان معتقداتهم عندما رفض عبادة آلهة متعددة وطالب بعبادة إله واحد، قد يكون مشهداً تراجيدياً عندما حكم الشعب على سقراط بالموت، إلا أنه كان مشهداً جميلاً، لأن الرأي كان يدب في عروق الشعب كدبيب النمل على الأرض. وقبل أن يتجرع سقراط السم انخرط أتباعه وتلاميذه بالبكاء فنهرهم وقال لهم: افرحوا وقولوا إنكم توارون في التراب جسدي فقط.

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com