منذ اغتصاب الحركة الصهيونية قسماً من فلسطين وإقامة دولة إسرائيل على هذا القسم والعرب يتقدمون بالمبادرة تلو المبادرة لإنهاء الصراع واستعادة الحق العربي المغتصب وعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين بلغ عددهم الآن حوالي أربعة ملايين نسمة.

مازال معظمهم يعيش حياة التشرد والبؤس خلال ستين عاماً، ينتظرون العودة التي وعدوا بها منذ الأيام الأولى لترحيلهم عن قراهم ومدنهم وأرضهم سواء كانت الوعود عربية أم دولية أم من الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبارها تمثل الشرعية الدولية كما قيل لهم.

وحيث ـ للأسف ـ لا شرعية دولية في عصرنا ولا حتى في عصور سابقة، فصراعات القطبين كانت العامل الحاسم في تحديد مسار الشرعية الدولية أيام الحرب الباردة وتولى القطب الأوحد هذه المهمة بعد انتهائها.

بعد استكمال معظم الدول العربية استقلالها وتصاعد حركة النهوض القومي العربي المعاصرة في النصف الثاني من القرن الماضي واستيلاء حركة التحرر العربية على السلطة في عدة أقطار عربية مجاورة لإسرائيل، وشعور العرب بقوتهم وقدرتهم واقتناعهم بإمكانية استعادة ما احتل من فلسطين.

توالت شعارات التحرير من النهر إلى البحر وتبعها رفض المبادرات الدولية للوصول إلى حل للصراع المعتمد على الاعتراف بإسرائيل (وأشهرها قرار التقسيم رقم 106)، انطلاقاً من قناعة هذه الدول وشعوبها بأنها قادرة على النصر أو هي على قاب قوسين أو أدنى منه.

واعتدادها بما ظنته إمكانياتها الكبيرة العسكرية والاقتصادية والسكانية، مع أنها لم تكن تملك الشروط الضرورية للنصر واستعادة الحقوق، فلم يكن لديها استراتيجية واضحة للتحرير ولا وعي كاملا ودقيقا بالشروط الموضوعية لتحقيق هذا الهدف، ولم تعط كبير أهمية لمجمل هذه الشروط واكتفت بالشعور القومي الفياض والاعتزاز بالاستقلال والفرحة بالشعارات وبالنوايا الحسنة والصادقة.

واعتبرت أن هذه المعطيات كافية لتحقيق الأهداف، إلى أن فوجئت بعدوان يونيو 1967، واكتشفت أن شروط النصر أكثر تعقيداً مما تظن وأن المشاعر والنوايا لا تكفي لتحقيق الغرض، فبدأت التناقضات تزداد بين الدول العربية، وأخذت الأنظمة السياسية تبحث عن كبش فداء تجده لدى الآخر.

واكتشفت أنها غارقة في مستنقع العجز وواقفة أمام طريق مسدودة لا تنفع النوايا والقرارات في فتح نافذة فيها، فأخذت تقدم للعالم (ولإسرائيل) المبادرة تلو الأخرى، تتضمن كل واحدة تنازلات جديدة أكثر من سابقتها.

وترفض إسرائيل وأصدقاؤها هذه المبادرات مباشرة وصراحة وبوقاحة، معتمدة على أن العرب لم يستوفوا بعد الشروط التي تقربهم من النصر، ومراهنة على التفاوت الكبير في موازين القوى بينها وبينهم مما يبعد عنها أي خطر محتمل.

إلى أن انتهت المبادرات العربية إلى زيارة الرئيس السادات للقدس وعقد اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية تلتها فيما بعد اتفاقيات أوسلو ووادي عربة وغيرها من الاتفاقيات الثانوية، وترافق معها تبادل التمثيل الدبلوماسي بين إسرائيل وبين بعض البلدان العربية سواء كان تمثيلاً مباشراً أو على شكل مكاتب تنسيق أو رعاية مصالح ومازال التدهور يسير متسارعاً إلى ما لا تعرف نهايته.

لعل من الأخطاء العربية الاستراتيجية في الصراع العربي الإسرائيلي. أن العرب ظنوا أن توازن القوى الذي يقربهم من النصر يتمثل فقط بالقوة العسكرية أو بزيادة عدد السكان أو بامتلاك الثروات أو بإقناع دول العالم الأخرى بالحقوق العربية وبضرورة تطبيق الشرعية الدولية.

بينما الواقع يدل على أن تحقيق التوازن يحتاج لشروط أخرى إضافة لهذه الشروط رغم أهميتها، فتوازن القوى يقتضي إقامة بنية جديدة للمجتمعات العربية، ليس من مظاهرها تفشي الأمية في البلدان العربية وارتفاع نسبة الفقر والجهل والمرض، وتجزر الاستبداد وضعف الحريات وتجاهل التعددية والديمقراطية بأي مفهوم كانت، وندرة تحقيق الوحدة الوطنية في معظم الأقطار العربية واهتمام كل نظام بشؤونه أولاً وأخيراً وتجاهل التضامن العربي، وعدم امتلاك استراتيجية جدية للمواجهة وآليات لتنفيذها.

ولنتذكر في هذا المجال أن دخل الإسرائيلي يساوي عشرات أضعاف متوسط الدخل العربي ويكاد مجتمع العدو يخلو من الأمية وأن المعايير الثقافية والاجتماعية والعلمية في هذا المجتمع تشابه مثيلتها في الدول المتقدمة وأن الصهيونية نجحت في إقامة وحدة داخلية متراصة.

للمجتمع الإسرائيلي بيمينه ويساره تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وأن معظم الدخل القومي الإسرائيلي يأتي من نشاطات اقتصادية داخلية وذاتية (رغم أهمية المساعدات) وأن الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية والجهوزية القتالية على أشدها سواء بتدريب الجيش أم تسليحه أم إقامة البنية الدفاعية الضرورية وإعداد المجتمع لمثل هذه الجهوزية.

هذا فضلاً عن امتلاك آلة إعلامية فعالة وعلاقات دولية مؤثرة وجاليات يهودية قادرة على التأثير في مجتمعاتها، وتبني استراتيجية صهيونية متعصبة متطرفة تعرف أهدافها ومراحل تحقيقها وترى طريقها بدقة وتسير فيها بدون عثرات، وهكذا فالفجوة في التطور واختلال ميزان القوى لم يأتيا من فراغ.

لهذا وذاك يمكن الزعم أن المبادرات العربية لن تنفع أحداً ومثلها المؤتمرات والبيانات والمواقف معتدلة كانت أم ممانعة بوجود الفجوة والاختلال، فالقضية لا ترتبط بالنيات والإرادة فقط ولا حتى بالتضامن المبني على التوافق العام الدائم أو العارض.

بل لابد إن أراد العرب استعادة حقوقهم من العمل الجاد والمسؤول لامتلاك شروط ردم الهوة وتحقيق توازن القوى الحقيقي وخاصة بناء وحداتهم الوطنية وأنظمتهم الديمقراطية وتنميتهم المستدامة واستعداداتهم العسكرية المنهجية ورفع مستوى شعوبهم والتخلص من التمزق الناتج عن تعدد الولاءات في مجتمعاتهم وامتلاك معايير الحداثة والتقدم المتعدد الجوانب، وعندها فقط ستلاقي مبادراتهم الاحترام اللازم سواء من إسرائيل أم من المجتمع الدولي ودول العالم الأخرى.

إن احترام المبادرات ونجاحها يرتبطان بامتلاك المبادر الشرط الموضوعي لنجاح مبادرته ولا يتأتيان من حسن الإقناع أو جودة البيانات أو النيات الحسنة، وإذا بقيت الفجوة بين ميزان القوى العربية والإسرائيلية قائمة ومتسعة فإن المبادرات العربية لن تتعدى كونها رغبات ذاتية تلامس الأوهام في الوصول إلى حل.

كاتب سوري