إذا كانت بضع شموع قد أوقدت فرحاً بالذكرى الخامسة لاحتلال العراق، لهذا السبب أو ذاك، فإن أضعاف أضعافها قد أوقدت على شواهد القبور في العراق وفي الولايات المتحدة ترحماً على أرواح الضحايا الذين سقطوا منذ بدأ الغزو الأميركي والذين بلغ عددهم مئات الآلاف، إن لم يكن قد تجاوز المليون، عراقي وأكثر من أربعة آلاف أميركي.

لكل حدث مؤيدون يستفيدون من وقوعه ومعارضون متضررين منه أو متحفظين عليه لمجهولية مساراته، الذكرى الخامسة لاحتلال العراق تحمل معها وأداً للأوهام وللأحلام التي انتعشت لدى معظم العراقيين بأن العراق لم يعد يسير في ذلك النفق المظلم وأنه قد أصبح بلداً ديمقراطيا يختار فيه المواطن قادته وممثليه في مجالس المحافظات وفي المجلس النيابي. وتفاءل الكثيرون من المثقفين وحملة الفكر ورجال الأدب وذوي الذهن المتوقد بهذا التغيير كرد فعل لما رسمته ممارسات النظام السابق من ذكريات مريرة ترتبط بالقمع والتهجير والحرمان.

ولكن الحصاد كان مختلفاً جداً فقد تبين بعد خمس سنوات إن العراق لا يُحكم برغبات الملايين من أبنائه التي خاطرت بحياتها مدفوعة بنواياها الحسنة من أجل اختيار ممثليها في المجلس النيابي وإنما يُحكم وفق أجندة صنعتها موروثات تكرس الحقد والضغينة وأدامتها مصالح دول ومنظمات ينتفع منها ويتاجر بها الجماعات المعدومة الكفاءة تقوم بتسوقها بأردية وعباءات دينية ومذهبية.

وتتزامن هذه الذكرى مع أحداث مدوية تقع في المدن الجنوبية وخصوصاً البصرة التي أصبحت ساحة معارك اختلط فيها الحابل بالنابل وأطلت فيها مخالب الجيران، لتبرهن على صحة ما ذهب إلى استنتاجه آخرون اعتبروا الاحتلال الأجنبي أحد أكبر الشرور وإن بدا غير ذلك بسبب اللباس الذي يرتديه. فقد أثبتت السنوات الماضية فشل الأميركان وفشل العراقيين معاً في صناعة دولة جديدة تقي الشعب المظالم التي حصد الكثير جداً منها على مدى العقود الماضية.

على مختلف المحاور وفي التفاصيل التي تكمن في ثانوياتها لا أجد ما يشجعني على التفاؤل بمستقبل العراق الذي صادرته الولايات المتحدة وحبسته في أطر سياساتها ومصالحها العالمية. كما لم أجد رغم رغبتي الشديدة في التفاؤل ما يسعفني على رؤية جانب إيجابي هام ينير الطريق أمام مستقبل البلد.

فعلى المستوى السياسي لم تتمكن الدولة الجديدة من تجاوز العقبات التي واجهتها منذ اليوم الأول للتغيير فرغم الحديث الطويل العريض عن المصالحة الوطنية لا يزال الشعب مقسماً وممزقاً بشدة حيث انحدرت فئاته في ممارساتها إلى حقبة ما قبل نشوء الدولة في تكريس الانتماءات العرقية والمذهبية والمناطقية والعشائرية بتشجيع من الولايات المتحدة التي أضعفت الجميع لتحتفظ بأكثر الأوراق أهمية في جعبتها.

والأمر لم يقتصر على ذلك فالملة الواحدة قد وجدت نفسها في صراع شرس مع بعضها فقد بدأت مجالس الصحوة تطارد تنظيمات الأصوليين التي لم تكن بعيدة عن التفاهم معها قبل وقت قصير، وها هو جيش المهدي يقاتل القوات العراقية النظامية في عدد من المدن مع أن قائد هذا الجيش ورئيس الوزراء العراقي شريكان في العملية السياسية ودخلا الانتخابات النيابية الأخيرة في قائمة انتخابية واحدة، كتلة الائتلاف العراقي الموحد.

وعلى المستوى الاقتصادي، وهو الأكثر أهمية في كل مكان من العالم، لا تزال الحكومة غير قادرة على الاستغناء عن البطاقة التموينية التي أستحدثها النظام السابق ولا تزال البطالة سيدة الموقف حيث تصل نسبتها في بعض المناطق 70% وهي أحد أبرز الأسباب وراء انتعاش الميليشيات المسلحة. وقد كان التقرير الذي حرره مجموعة من المحاسبين القانونيين الأميركيين أبلغ فضيحة لأكذوبة إعادة إعمار العراق فوفق ذلك التقرير لم يُصرف أكثر من 5% من ميزانية عام 2007 لإعادة الإعمار في بلد تنعق الغربان في خرائبه التي تمتد من زاخو و حتى الحدود مع الكويت.

وأصبح العراق من أبرز بلدان العالم في تفشي الفساد المالي والإداري حيث تنهب ثرواته علناً دون أن تتمكن السلطة التنفيذية إيقاف ذلك إذ لم نسمع عن إحالة متهمين إلى المحاكم بسبب الاختلاس أو نهب المال العام إلا في حالات قليلة لا توازي حجم السرقات والتجاوزات.وتراجعت الخدمات على مختلف الأصعدة بسبب الفساد المستشري في أجهزة الدولة وضعف الحكومة وفقدان هيبتها.

وأصبح تزوير الشهادات ظاهرة منتشرة شغل الكثيرون من حملتها مراكز حساسة في الدولة. وسقط المئات من الكفاءات العراقية صرعى بأيادٍ أثيمة لإجبار الآخرين على الهجرة لإفراغ البلد من هذه القيادات. وتشرد الملايين من العراقيين داخل بلدهم وخارجه، مختارين أو مضطرين، بسبب التداعيات التي جاءت بها هذه الحرب وسوء إدارة ومحدودية كفاءة من تولى المسؤولية في الدولة العراقية الجديدة وسوء الأدوات التي صُنعت بها هذه الدولة.

التغيير الذي حدث في العراق منذ خمس سنوات كان يجب أن يتم بأيدي أبنائه وليس بالسلاح الأميركي الذي أمتلك رقاب العراقيين وطوقها. لم يكن ذلك التغيير عادياً وإنما زلزال قوي أصاب منطقة الشرق الأوسط بكاملها مؤشراً على بدء الولايات المتحدة في مشروع الشرق الأوسط الجديد لإعادة هيكلة دوله. فالعراق ليس دولة صغيرة مثل غرينيدا أو بنما أو بقية جمهوريات الموز القريبة من الولايات المتحدة لا يترك احتلالها آثاراً وتداعيات خطيرة. فمنذ اليوم الأول لسقوط العاصمة بغداد عزلت الدول العربية نفسها سياسياً عن العراق خيفة وتوجساً مما هو قادم واختل النظام الذي حافظ فيه العراق على بعض التوازنات في المنطقة ليترك فراغاً كبيراً تشعر الولايات المتحدة نفسها بخطره وليس من السهل ملئه في الظروف الحالية.

وجدت الدولة العراقية الجديدة نفسها بعزلة عن المحيط العربي استمرارا لعزلة النظام السابق ولكن لأسباب مختلفة، فتردد الدول العربية في إعادة بعثاتها الدبلوماسية إلى بغداد يحمل في طياته رفضاً غير معلن للوضع الجديد في العراق، فالاعتراف به من وجهة نظرهم يمنح الغزو الأميركي شرعية قد تنسحب في المستقبل على دولهم لتنال منهم ما نالت من العراق. كما أن هنالك قوى داخل العراق ممن تصدرت الوضع الجديد هي الأخرى لها مصالح في إضعاف ارتباط العراق بالمحيط العربي ونظامه الذي كان قائماً كحالة طبيعية في إستراتيجيات الدولة العراقية منذ تأسيسها في عشرينات القرن المنصرم.

ولعل أسوأ ما يكشف عنه الوضع الحالي في العراق هو عدم وجود برنامج للنهوض لدى القوى المتنفذة في الساحة السياسية ولا تزال المسافة طويلة للوصول إلى موعد الانتخابات القادم الذي قد تتغير فيه الوجوه التي تجلس تحت قبة المجلس النيابي.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae