قبل ربع قرن بالتمام ذهب موشى أرينز، وزير دفاع إسرائيل ذات حين،إلى أن الإسرائيليين يخصصون وقتا كبيرا للنظر في مشكلة الفلسطينيين في الأردن ولبنان والضفة وغزة، بينما الحقيقة أن القضية هناك أبسط مما تبدو علية داخل الخط الأخضر... بهذا الرأي أراد أرينز لفت الانتباه إلى أن حال فلسطيني 48 ومآلهم أقوى في تأثيراته على مستقبل إسرائيل من مصير الفلسطينيين خارجها.

هناك الآن مؤشرات ومعطيات دامغة على أن رؤية أرينز هذه ما عادت رافداً فكريا وسياسيا محدوداً أو منعزلاً داخل القطاع الصهيوني اليهودي في إسرائيل. فالحديث المتنامي عن تحويل قسم من فلسطينيي 48 إلي الدولة الفلسطينية المزمعة،وتشديد النكير على نوازعهم العروبية، وتوسيع دائرة المحظورات أمامهم،ومحاصرة قواهم السياسية الحقوقية ومحاولة وقف نموهم الكمي والنوعي، وتوكيد مظاهر يهودية إسرائيل علاوة علي صهيونيتها، وضرورة إثبات الولاء لها من كل حاملي جنسيتها، هذا الحديث بات يشكل جزءاً عريضاً من نهر الحياة الإسرائيلية.

آخر الاستطلاعات الصهيونية ذاتها تثبت صعود مستوى العداء اليهودي ضد القطاع العربي إلي نقطة خطر الصدام المروع. وموجز المتداول بهذا الخصوص أن معظم يهود إسرائيل ما عادوا يطيقون مساكنة العرب فيها ولا مصاحبتهم أو مجاورتهم أو التحاور معهم، بل يفضلون مفارقتهم تماما والتوسل إلى التمايز عنهم بكل السبل المتاحة، وحبذا لو توفرت الإمكانية لطردهم من رحاب الدولة بالكامل.

منذ بضعة أسابيع قال يسرائيل حسون عضو لجنة الكنيست للخارجية والأمن وأحد كبار مسئولي جهاز الشاباك إن اندلاع انتفاضة ثالثة يشارك فيها عرب 48 مسألة وقت فقط وعلى أجهزة الأمن الالتفات أكثر إلى هؤلاء الغاضبين الذين ينتظرون شرارة للانفجار. لابد من ردعهم وجمع معلومات استخبارية عنهم قبل فوات الأوان... وفى 20/3/2008 أعرب بنيامين بن أليعازر الوزير الأسبق عن اعتقاده بأن إسرائيل ستجد نفسها أمام حركة قومية لمواطنيها العرب إلى جانب حركتي فتح وحماس إذا لم تسرع وتيرة المفاوضات مع الفلسطينيين.

لنا أن نلاحظ هنا تجاهل هؤلاء المحرضون لأسباب توقعاتهم علي النحو الذي تتبصره استطلاعات الرأي المشار إليها ..تلك الأسباب التي أضيف إليها مؤخراً عنصر شديد الفعالية قوامه التشدد في مساعي إجبار العرب على أداء الخدمة الإلزامية في جيش الدفاع تحت شعار المساواة في الحقوق والواجبات.

ظاهرياً يبدو هذا الموقف الإسرائيلي منطقياً ومفهوماً، فمن يبحث عن المساواة ينبغي أن يؤدي ما عليه من واجبات.لكن النظرة الأعمق تتبصر منطقا مغايرا تماما لحالة استثنائية تماما أيضا..جوهرها أن للحقوق والواجبات في سياق العلاقة داخل مجتمعات الكيانات الاستيطانية بين الدخلاء المستعمرين والسكان الأصليين معاني خاصة جداً.

فغداة حرب 1967 ونتائجها باتت مطالب عرب 48 تندرج تحت محورين عريضين : أولهما الدفع باتجاه المساواة في المواطنة داخل إسرائيل، وثانيهما ردف الحركة النضالية الفلسطينية العامة بقدر الإمكان وما تتيحه لهم أوضاعهم غير الاعتيادية، على أن الخط البياني لكل من هذين المحورين تعرض للتذبذب، بحيث ظهر بينهما أحياناً نوع من التنازع في الأولوية.

وفي هذا الصدد، يلاحظ أن أولوية محور على الآخر وتصدره حيز الاهتمام، تأتت بناء على عوامل بعينها.. منها مستوى ضغوط السلطة الصهيونية الحاكمة،ومدى تبلور الوعي القومي الوطني وتحولات النخب السياسية والثقافية بين عرب 48، وصعود وهبوط الحركة القومية العربية بعامه والحركة الوطنية الفلسطينية بخاصة.

تأثير هذا العامل الأخير جاء دوماً عن طريق الإيحاء والعدوى التلقائية. فلم تكن هناك سياسة واضحة القسمات، لا عربيا ولا فلسطينيا، تحدد موقع عرب 48 من المشروعين القومي العربي أو التحرري الفلسطيني.وكان لتلك المقاربة التي اعتبرت قاصرة وغير مفهومة مبررات تعرضت للنقد والتفنيد. وقد تصاعدت حدة غضب الداعين لوحدة المستقبل الفلسطيني حين استنكفت جهود التسوية عن التطرق إلى الوضع النهائي أو حتى غير النهائي لعرب48.

كاتب فلسطيني