من يصدق أن القطب الأوحد والقوة العظمى الوحيدة في العالم تتراجع مكانتها بهذه السرعة لدرجة أن تلجأ بإذلال لخصمها اللدود روسيا تطلب منه العون والمساعدة، لينتهز الدب الروسي العائد بقوة للساحة الدولية الفرصة ليفرض شروطه التي لا مفر أمام واشنطن من قبولها.. وإلا تكون الفضيحة والخسارة الكبرى.
ما نقوله هذا ليس حلما ولا حتى أملا يطمح البعض أن يتحقق في المستقبل، بل هي الحقيقة المرة التي يتجرعها الأميركيون الآن رغم أنفهم، والتي بسببها يتوجه الرئيس الأميركي بوش لموسكو الأحد القادم في زيارة خاصة ليطلب من موسكو، أو بمعنى أصح «يتوسل» إليها أن توافق على تقديم الدعم اللوجستي لقوات حلف شمال الأطلسي الغارقة في جنوب أفغانستان بعد أن تصاعدت الأزمة داخل الحلف لدرجة تهدد بالانقسام وربما الانهيار.
ومن يريد أن يعرف الحقيقة قبل الزيارة فليتابع أحداث الأيام الماضية في ظل الأزمة المتصاعدة داخل حلف الناتو والانقسام الشديد الناتج عن رفض الأوروبيين المشاركة في العمليات الحربية التي تخوضها قوات الحلف في جنوب أفغانستان ضد قوات طالبان المتقدمة بفاعلية وبقوة تهدد القوات الدولية، وخاصة القوات الأميركية والكندية والبريطانية التي تخوض العمليات القتالية في الجنوب.
بينما القوات الألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية في الشمال ترفض تماما التوجه للجنوب للمشاركة في القتال، ويصرخ وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس في مؤتمر الحلف الأخير في ليتوانيا في فبراير الماضي قائلاً: «مستقبل الحلف في خطر بسبب انقسامه لجناحين.. أحدهما يقاتل ويموت جنوده في الجنوب بينما الجناح الآخر في الشمال يرفض القتال»، وتخرج النشرة الأميركية المستقلة «ستراتيجيك آلرت» في أول مارس المنصرم تقول «إن حلف الناتو مقبل في أفغانستان على هزيمة نكراء لن تنهي فقط الحرب هناك بل ستقضي تماما على الحلف وتتسبب في تفككه».
أمام إصرار الأوروبيين لم تجد واشنطن مفرا من اللجوء لموسكو لطلب العون والمساعدة معتمدة على مصلحة روسيا في عدم عودة طالبان للسيطرة على أفغانستان، وأيضاً لأنه لا أحد يستطيع تقديم العون اللوجستي لهذه القوات سوى روسيا بحكم موقعها القريب وامتلاكها للمطارات والقواعد العسكرية في وسط أسيا، خاصة وأن قوات الناتو تعاني صعوبات بالغة في وصول الإمدادات والعتاد بسبب ابتعاد المسافات.
حيث تقع أقرب قواعد الحلف في تركيا وشرق أوروبا، كما أن قوات الحلف التي خرجت لأول مرة في تاريخها خارج أوروبا إلى أفغانستان ثبت عدم قدرتها على التلاؤم مع الظروف الطبيعية المختلفة تماما هناك عن أوروبا بينما لدى الروس خبرة عالية بالمنطقة وخاضوا فيها حروبا طويلة ضد نفس العدو.
لقد عرضت واشنطن طلباتها على موسكو في اللقاء الرباعي في موسكو الذي جمع وزيري الدفاع والخارجية من البلدين منذ أيام، ولكن موسكو لم تعط موافقتها حتى الآن ووعدت بدراسة الطلب، ثم عادت لتفرض شروطها التي لخصها نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو في تصريحه ل«بي بي سي» الأسبوع الماضي قائلا «نحن مستعدون لتقديم المساعدة اللوجستية لحلف الناتو في أفغانستان بشرط احترام واشنطن والحلف للمصالح الأمنية الروسية»، هذا الشرط يعني الكثير من الأشياء التي ترفضها روسيا، بما فيها توسعات الحلف في شرق أوروبا وسعيه لضم جمهوريات مجاورة لروسيا مثل جورجيا وأوكرانيا، وأيضاً الدرع الأميركي المضاد للصواريخ المزمع نشر عناصره في تشيكيا وبولندا.
لقد انطلق حلف شمال الأطلسي مندفعا بدون وعي تحت تأثير الضغوط الأميركية ليقع في مستنقع يصعب عليه الخروج منه سليما، وأصبح عليه أن يواجه أحد خيارين، إما أن يواجه حرب واسعة مع طالبان يصعب عليه تماما، بل ربما يستحيل «حسب اعتراف قادة الحلف «أن يحقق فيها أية انتصارات، بل على العكس فإن استمراره في الحرب سيؤدي لكارثة حتمية لقواته، وإما أن يبادر بالانسحاب من هناك في أقرب وقت ممكن، وهو الأمر الذي ترفضه واشنطن تماما لأنه يعني عودة طالبان للسيطرة على أفغانستان وهزيمة أميركا في حربها على الإرهاب.
المخرج والأمل الوحيد الآن أمام إدارة بوش هو روسيا، والأمر يستدعي بالفعل لقاء خاص للرئيسين بوش وبوتين، ورغم أن الاثنين سيتركان الحكم هذا العام إلا أن هناك عوامل واقعية مختلفة لدى الطرفين لكنها تجعلهما يهتمان معا بالقضية، هذه العوامل تتلخص في أن بوتين سيترك مقعد الرئاسة لكنه لن يبتعد عن مركز القرار السياسي في روسيا بل سيظل تأثيره فعال وحيوي فيه، بينما بوش سيبتعد تماما عن الرئاسة وربما أيضاً عن السياسة لكنه سيظل انتماؤه لليمين المحافظ الأميركي ولأباطرة النفط وصناعة السلاح الذي يمثل هو وأبيه مصالحهم دائما سواء داخل البيت الأبيض أو خارجه.
ومن أهم مصالحهم الآن استمرار الحرب على الإرهاب وأيضاً بقاء حلف الناتو وعدم انهياره. ولكن هل ينجح الدب الروسي في فرض شروطه والإمعان في إذلال خصمه اللدود وربطه بمصالحه وتوجيهه كيفما يشاء، هذا ما يتوقعه الكثيرون من المراقبين لسبب بسيط وواضح، وهو أن اليمين المحافظ الأميركي الذي لا تهمه سوى مصالحه الخاصة التي تعلو عنده فوق مصالح أميركا نفسها مستعد لتلبية كافة الشروط ومستعد للتحالف مع الشيطان من أجل تحقيق أهدافه.