رغم أن كثيرين راهنوا على فشل قمة دمشق بسبب التمثيل المنخفض لمصر والسعودية وغياب لبنان إلا أن هناك لمحات حدثت تؤكد أن القمة ربما تمثل بداية زمن عربي جديد يجعل المستقبل أقل سوءاً من الماضي.

اللمحة الأولى أن هناك إدراكا عميقا بتفاقم خطر الانقسام، وبالهزال الذي أصاب مفاصل العمل المشترك، هذا الإدراك ربما كان موجودا منذ عقود، لكن الجميع كانوا يهونون من شأنه، ويتصورون أن بيانات إنشائية يمكن أن تحل عقدا مستعصية، الآن تخلى الجميع عن هذه النغمة المخدرة وبدأوا يواجهون أنفسهم بالحقيقة. كان ذلك واضحا في كلمات عمرو موسى وبشار الأسد، ووصل إلى ذروته في كلمة معمر القذافي حين قال «لم يعد يجمعنا شيء .. غير هذه القاعة».

ومع أن القذافي عود جمهور القمم دائما على الخروج عن النص، كما تعود الآخرون أن يعتبروا كلامه نوعاً من الهزل، إلا أنه اكتسب هذه المرة جدية منبعها إحساس الجميع بعمق الأزمات العربية، وتجلى ذلك في التصفيق الحار الذي دوت به القاعة مع انتهاء كلمته.

اللمحة الثانية تتجلى في كسر احتكار العاصمتين العربيتين الكبيرتين للقرار العربي، فربما تصورت العاصمتان أنهما عندما تخفضان مستوى تمثيلهما في القمة، فإن أكثرية العواصم الأخرى ستفعل الفعل نفسه، وهذا لم يحدث، بل إن زعماء عرب تعودوا إرسال من ينوب عنهم حرصوا هذه المرة على المشاركة، ومغزى ذلك أن العواصم العربية قد وصلت سن الرشد السياسي، ولم تعد تعلق قراراتها بالعاصمتين الكبيرتين اللتين احتكرتا أو تبادلتا قيادة المنظومة العربية على مدى العقود الماضية، فالولاء والانقياد لعاصمة ما سلاح ذو حدين .. يكون مفيدا حينما تميل الأنظمة الكبيرة إلى التسامي على الخلافات ووضع المصالح العربية العليا فوق مشاعر الأشخاص، ويكون مدمرا حين تغرق عواصم القرار في الشخصانية وتعتبر أن ما يغضب رئيس الدولة هو بالضرورة يعادي الدولة ذاتها.

اللمحة الثالثة أن المنطقة تبدو وكأنها تتمرد على الضغوط الأجنبية، فليس سرا أن واشنطن وربما عواصم أخرى تدور في فلكها مثل باريس أرسلت إشارات صريحة تدعو إلى عدم المشاركة، وربما كانت تود لو فشلت هذه القمة لمجرد أن تضع سوريا في موقف محرج .

اللمحة الرابعة أن العناد والخلاف حول الموضوع اللبناني وصل إلى ذروته، وهذا يبشر بأن حل العقد يمكن أن يبدأ فور انتهاء القمة، فكثير من القادة الذين حضروها سيقومون دون شك بمساعي خيرة لتقريب المسافات بين المتنافرين، وربما نجد في الأيام أو الأسابيع القليلة زيارات متبادلة على أعلى مستوى تصلح مافسد.

أهم ما في القمة أنها وضعت الأوجاع العربية على طاولة التشريح، وكما يقول الأطباء فإن اكتشاف الداء يمثل نصف الطريق إلى الشفاء. إذ أنه مهما علا صوت الفرقة يدرك الجميع في اللحظات الفاصلة أنه ليس أمام العرب من خيار غير التكاتف، وأن الجغرافيا والتاريخ وأحاسيس الشعوب تجبر أصحاب القرار في النهاية على الميل باتجاه عروبتهم لتمتين أواصرها ووصل ما انقطع منها، وأن الأجنبي مهما قويت علاقته بطرف في المعادلة العربية فإن عينه تظل على مصالحه وحدها دون أن يعير مصالح الطرف الآخر أدنى اعتبار.

قد يكون هذا الكلام متفائلا أكثر مما ينبغي، لكن التفاؤل والإيمان بقدرات العرب إذا اجتمعوا وضياعهم إذا تفرقوا هو ما يصنع الغد الأفضل.

magdishendi@hotmail.com