أيا كان حجم أو محدودية المقاطعة العربية للقمة التي تنتهي اليوم في دمشق، إلا أن النظام السوري ربما أحرز بعض النقاط ضد كل محاولات تهميشه ومحاصرته في منطقة تضج منذ احتلال العراق بأحذية رجال السياسة القادمين إليها والمغادرين منها إلى جهات غير معلومة، وبأمور تجري تحت جنح الظلام.

البعض يراهن على فشل القمة، والآخر يتمنى نجاحها نكاية بأعداء الأمة العربية. أو كما قال أحدهم، مهما اختلفنا مع النظام السوري فهو يظل أرحم بكثير مما نشاهده من قتل وتدمير ومؤامرات في العراق وفي فلسطين وأفغانستان والصومال، إلخ. وبالطبع ليس هنا مجال تحليل لهذين الموقفين، حيث لا يوجد ما بينهما من موقف وسط، ولكننا سنحاول أن ننظر للأمور بعين غريبة وكأننا لسنا عربا ولسنا مسلمين...

معظم اليابانيين والصينيين والمكسيكيين والروس والاستراليين على سبيل المثال وغيرهم من الشعوب الشرقية والغربية لا يحملون فكرة عن الدول العربية برمتها غير أنها دول ممزقة لا تمنح حرية الرأي والاختيار، تتحدث شعوبها نفس اللغة وتدين بنفس الدين تقريبا ويعبدون نفس الإله ويؤمنون بنفس الرسول الكريم ويحملون نفس الثقافة ولكنهم مختلفون فيما بينهم، وتنشب بينهم حروب كحروب العصور الوسطى بسبب قطعة أرض أو لاختلاف في الرأي أو في تفسير المذاهب.

هذه الفكرة السلبية عن العرب والمسلمين بشكل عام لدى شعوب العالم دعمتها وسائل الإعلام الغربية بالذات التي تعودت على تضخيم الخلافات العربية العربية ونشرها عبر وسائلها الخاصة إلى العالم بأكمله.

وهذه الشعوب - ونحن كذلك عندما يتعلق الأمر بهم - ليس لديها الوقت الكافي لتبحث ما هو خلف السطور، ولا تفهم في كثير من الأحيان الأسباب الحقيقية وراء الخلافات الدائرة بين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين مثلا. وعندما يقرأ الرجل الفرنسي مثلا عن اجتماع على مستوى القمة لدينا فهو لا يعيره أي اهتمام لأنه ترسخت في ذهنه فكرة أن قرارات وتوصيات اجتماعات القمم بين رؤساء الشعوب العربية هي مجرد قرارات على ورق.

ولا يندهش البرازيلي عندما يقرأ في صحفه عدم حضور مجموعة من الدول العربية هذا الاجتماع لأنه تعود سماع أن الحروب والخلافات ما زالت مستمرة بين الدول العربية وبالتالي هذا أمر طبيعي.. أما رجل الشارع الإسرائيلي والأميركي والبريطاني فهو يضحك بشكل هستيري لعلمه مسبقا بوجود انشقاق دائم بين أفراد البيت العربي الواحد، وأنهم بالتالي نادرا ما اتفقوا على موقف موحد حتى (كلاما مجردا) كما يقال، وأن الاتهامات المتبادلة فيما بينهم تكفي لإفشال أي مشروع اتفاق أو لتشعل نارا جديدة.

بالطبع لا ننسى الصفات التي لصقت بنا بهتانا أو عن حق، مثل الإرهاب والتخلف العلمي والثراء الفاحش والكسل وغيرها.

لا أحد له الحق في الاعتراض على قرار دولة من الدول العربية بعدم حضور قمة من القمم، ولكننا اليوم بالذات نحن أحوج ما نكون فيه إلى تدارك الأزمات والضربات القادمة، التي إن أصابت سوريا (وهي العين عليها هذه الأيام) سوف تصيب غيرها في كل الظروف.

وعلينا أن لا نطرح السؤال عن مكان الاجتماع ولا عن الدولة المضيفة أيا كانت خلافاتنا معها، بل عما يمكن أن نتوصل إليه لحل بعض الأزمات العالقة وكيف يمكن أن نحسن من صورة الإنسان العربي لدى الآخرين. هناك بالفعل خلافات كبيرة عالقة فيما بيننا وهناك جدران تتساقط فوق رؤوسنا في كل يوم، فاللبنانيون (وليس فقط لبنان) وقعوا ضحية الانقسامات العربية، والفلسطينيون (وليس فقط فلسطين) يدفعون منذ عشرات السنين ثمن الخلافات العربية العربية، والعراق (وليس فقط العراقيون) يشفط نفطه ويقتل علماؤه ويذبح شعبه وتباع آثاره القديمة في السوق السوداء الأميركية والإسرائيلية نتيجة لعدم الاتفاق العربي العربي.

ومازلنا نصر على تأكيد وتعميق وترسيخ هذه الخلافات. لقد مرت الدول الأوروبية بظروف أسوأ بكثير من ظروفنا على مر التاريخ من الحروب الدموية القاتلة وأكثرها تدميرا كان قبيل احتلال فلسطين بأربع سنوات. غير أنهم مع اختلافاتهم الثقافية والدينية واللغوية والاجتماعية جلسوا وتناقشوا واتفقوا واختلفوا لكنهم لم يقاطعوا بعضهم بعضا.

وإذا أراد اللبنانيون أن يحلوا مشكلة لبنان فهم القادرون على ذلك وليس السوريون، وإذا أراد الفلسطينيون أن يحلوا مشاكلهم فيما بينهم فهم القادرون على تحقيق ذلك وليست كوندوليزا رايس أو إيهود أولمرت، وإذا رغب العراقيون في تكوين دولة قوية مستقلة تخرج من تحت عباءة الاحتلال خلال شهر واحد فقط فهم أصحاب القرار وليسوا رجال المارينز ولا ديك تشيني.

نحن نختلف مع كل الأنظمة أينما وجدت أكانت عربية أو غربية والتي قد تفسر تصرفاتها على أنها تدخل في شؤون الغير، وعدم احترام حرية المواطن، وأنه لا هم لها سوى الاستيلاء على كرسي الحكم بأي ثمن كان ولأطول فترة زمنية ممكنة، ولكن هذا أمر وتوجيه هذه الأنظمة إلى الطريق الصحيح أمر آخر. إن معالجة قضايا الأمم لا تختلف البتة عن معالجة قضايا الأسرة الواحدة في البيت الواحد.

إن خروج أحد الأبناء عن الطريق السوي لا يلام فيه الابن المشاغب، بل الأب والأم والأخ والأخت، وليس حل سوء تصرفاته هو نبذه ومقاطعته وطرده من باب البيت، (ألم نفعل ذلك مع مصر العربية عند زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى إسرائيل؟ ثم ماذا حصل؟

ألا نحلم اليوم جميعا بالقيام بنفس الزيارة إلى إسرائيل لكسب رضا الولايات المتحدة الأميركية؟) - إن أسلوب المقاطعة أسلوب عفا عليه الزمن وهناك علاجات متطورة يقدمها علماء النفس اليوم تدعو إلى مجالسة الابن الذي عليه بعض من تلك التحفظات ومناقشته فيها بأسلوب هادئ وعلمي وواع ودقيق.

إننا في زمن العولمة، والاتصال، والفضائيات والسرعة الفائقة (بلغت سرعة المكوك الفضائي الأميركي أنديافور خمس مرات سرعة الصوت!) والشرائح الالكترونية المتناهية الصغر (بحجم رأس الدبوس)... والعالم الغربي على بعد خطوتين من إرسال البشر إلى المريخ قريبا، فهل نحن ما زلنا مصممين على البقاء على الكرة الأرضية وحدنا نوسع من رقعة خلافاتنا في ثوب الأمة العربية؟

نرجو أن لا تفشل قمتنا هذه والقادمة... حتى ولو كانت مجرد كلام..

جامعة الإمارات

href="mailto:dralaboodi@gmail.com">dralaboodi@gmail.com