(1)

في شهر واحد تتابعت علينا في مصر أخبار الموت والمرض، ففقدت مصر ناقداً أدبياً كبيراً (رجاء النقاش) وصحافياً معارضاً محبوباً (مجدي مهنا). وتلاها مباشرة رئيس وزراء سابق يتمتع باحترام عام وعرف أيضا بأنه أشهر وزير صناعة في مصر، إذ اقترن اسمه بعصر التقنية الباهر في أواخر الخمسينيات والستينيات (عزيز صدقي).

ثم رأيت في إحدى الصحف المصرية أربع صور متجاورة لأربعة من أشهر المثقفين المصريين، وفوقها عنوان «حبايب مصر» وسبب وضع صورهم كلهم معا هو المرض، مع تمنيات الصحيفة لهم بالشفاء العاجل.

ليس هناك أي شيء غريب بالطبع في الموت ولا في المرض، ولكن المدهش أن تتكرر أخبار الموت والمرض لعدد من المشاهير في فترة زمنية قصيرة. ومع ذلك فالدهشة سوف تزول باسترجاع بعض ذكريات الماضي والقيام ببعض الحسابات البسيطة.

أما الذكريات فتتعلق بذلك العقد المبهر من القرن الماضي: عقد الستينيات. كان هذا هو عقد صعود الآمال والطموحات إلى أعلى عليين، وأيضا عقد السقوط المدوي لهذه الآمال والطموحات. لم تكن هذه الآمال آمال المصريين وحدهم، بل كانت آمال العرب جميعا. بدأت الستينيات ومصر متحدة مع سوريا فيما سمي «بالجمهورية العربية المتحدة» وبقيام ثورة في اليمن قيل وقتها أنها نقلت اليمن من العصور الوسطى إلى العصر الحديث.

كانت الستينيات هي أيضا العقد الذي ترددت فيه، أكثر من أي عقد آخر، سابق أو لاحق، شعارات القومية العربية والوحدة، وبدا وكأن العرب يمكنهم حقاً الدخول في وحدة اقتصادية وسياسية كبيرة. وكان الاختلاف فقط هو فيما إذا كانت الوحدة الكاملة أفضل أم الفيدرالية؟

كانت التوقعات عالية حقاً والتفاؤل شديداً.

وعندما ترتفع التوقعات ويشتد التفاؤل تتفجر المواهب ويصبح الخامل نشيطاً والموهوب نجماً. لا عجب ان هذه كانت فترة لمعان نجوم باهرة في الأدب والشعر، في المسرح والسينما، والصحافة والغناء، والتأليف الموسيقي والرقص الشعبي.. الخ.

ولكن هؤلاء النجوم كانوا في ريعان الشباب، ممن يمكن أن يشتد حماسهم لما يرونه من تطورات، وما يسمعونه من وعود. لم يكونوا أطفالاً لا يفهمون ما يجري من أحداث، ولا هم دخلوا في السن التي يغلب فيها التشاؤم أو على الأقل الاحتياط والشك، والحذر من المبالغة في التفاؤل.

فإذا كان هذا هو عمر الموهوبين الذين لمعوا في الستينيات، فلابد أنهم الآن قد جاوزوا السبعين، وهي سن تعتبر (في بلادنا على الأقل) سناً متقدمة، لا يجب أن يندهش المرء فيها إذا أصابه المرض، ويتكرر فيها على الأسماع خبر الموت.

هذه هي الحسبة البسيطة التي تجعلنا نفهم لماذا تتكرر على اسماعنا اليوم أخبار مرض الموهوبين المشهورين، انهم لم يصابوا بالمرض بناء على اتفاق فيما بينهم، ولكنهم فقط اشتهروا في وقت واحد، ولسبب واحد، وفي أعمار متقاربة. فلما مضى على ذلك أكثر من أربعين عاما كان لابد ان نسمع عن آلام في الظهر، أو ارتفاع في الضغط، أو انزلاق غضروفي.. الخ.

أما الانزعاج الشديد الذي يبديه الناس لسماعهم بمثل هذه الأخبار فهو لا يعود فقط لما حققه هؤلاء من شهرة، أو حجم ما يتمتعون به من موهبة، ولكنه بكل تأكيد يرجع أيضاً إلى تذكر نفس الجيل من المصريين وبقية العرب لما حدث في تلك الأعوام التي تفجرت فيها هذه المواهب، واكتسب أصحابها خلالها كل هذه الشهرة، واقتران هذه الشهرة بارتفاع طموحات العرب وشدة تفاؤلهم، ثم تذكرنا لما حدث لهذه الطموحات والآمال من تصدع في السنوات الأخيرة من الستينيات.

(2)

ففي أواخر الستينيات حدث شيء مهم للعرب ونعرفه جميعا ولا يمكن نسيانه، وهو الاعتداء الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن، والهزيمة العربية في 1967، ولكن حدث في نفس الوقت تقريبا شيء مهم أيضا في أوروبا، ففي 1968 قامت ثورة صغيرة في فرنسا، من نوع غريب تماما وغير مألوف وسرعان ما انتقلت شرارتها فأشعلت ثورات صغيرة في البلاد الأوروبية المحيطة بفرنسا، ثم عبرت المحيط إلى الولايات المتحدة.

لم تكن هناك أي علاقة واضحة بين ثورة الطلاب في أوروبا والولايات المتحدة، وبين ما كان يحدث في العالم العربي في نفس الوقت، ولكن من الممكن أن يجد المرء علاقة بين ارتفاع الآمال والطموحات في العالم العربي في الستينيات، وبين ما كانت أوروبا والولايات المتحدة تمر به من رخاء في نفس الوقت، كانت أوروبا قد دخلت فترة نمو باهر وانتعاش اقتصادي كبير مع بداية إعادة بناء ما دمرته الحرب، وحققت خلال الخمسينيات والستينيات معدلات للنمو لم تعرف أوروبا مثلها مثيلا من قبل، ولا من بعد.

وشهدت الولايات المتحدة بدورها ازدهارا اقتصاديا مماثلا بما وفره لها النمو الأوروبي والياباني من فرص الاستثمار والتسويق وقد سمح هذا النمو والازدهار في الغرب بتدفق المعونات على العالم العربي. فلما بلغت أوروبا والولايات المتحدة السنوات الأخيرة من الستينات انتشر بين الشباب الأوروبي والأميركي. تساؤل لم يكن لهم به عهد: إلى أين يؤدي بنا كل هذا الرخاء؟ وما هي بالضبط جدوى المجتمع الاستهلاكي بكل إغراءاته؟

وما هي بالضبط الجدوى مما تعلمه لنا الجامعات غير تهيئتنا وتدريبنا على المزيد من الاستهلاك؟ أثار الشباب في أوروبا وأميركا كل هذه التساؤلات في أواخر الستينيات، كما ارتفعت آمالهم وطموحاتهم إلى تحقيق نوعية أفضل للحياة، مثلما ارتفعت آمال وطموحات العرب قبل ذلك بسنوات قليلة، إلى تحقيق مستوى أعلى من المعيشة، فما أن انتهى عقد الستينيات حتى انطفأت أغلب هذه الآمال وضمرت الطموحات في العالم العربي والعالم الغربي على السواء.

ولم يقدم لنا أحد بعد تفسيراً مقنعاً لظهور هذا الضوء الباهر فجأة، في ذلك العقد المدهش ثم انطفأت فجأة أيضاً.

كاتب مصري