زاد عدد الفضائيات التلفزيونية العربية واحدة يوم 11 مارس الحالي ببدء إرسال قناة (بي بي سي) البريطانية باللغة العربية والموجه بطبيعة الحال إلى البلدان العربية، ويستقبل المتلقي العربي الآن إرسال حوالي (450) قناة تلفزيونية ناطقة باللغة العربية منها بعض القنوات التي تعود لبلدان غير عربية.

كما هو حال قناة العالم الإيرانية والحرتين الأميركيتين (العامة والعراقية) والفرنسية والألمانية وأخيراً البريطانية، ولعل المتلقي العربي يكون بذلك أكثر متلق مستهدف من القنوات الفضائية التلفزيونية في العالم كله بعد المتلقي في الولايات المتحدة الأميركية.

تخف الدهشة عندما نتذكر أننا نعيش ثورة الاتصال والتقنية التي غيرت مفاهيم عديدة في ظروف العالم وتقاليد الشعوب وأساليب تشكيل الوعي الفردي والجماعي، وأثرت في التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها، فلم يعد العالم قرية صغيرة في سرعة وصول الخبر والمعلومة إلى سكانه فحسب، بل صارت وسائل الاتصال (ومنها وسائل الإعلام) تصنع الحراك متعدد الجوانب فيه،

وتحتل دوراً هاماً في توحيد أنماط الإنتاج والاستهلاك وبنى الدول والمجتمعات وتقريب بعضها من البعض الآخر إلى حد التشابه الكلي أحياناً، وتعزيز مفاهيم الحرية والديمقراطية التعددية وحقوق الإنسان والعدالة وتكافؤ الفرص وغيرها، سواء قصدت هذه الوسائل ذلك أم لم تقصده، وباتت تخيف أقوى الأنظمة السياسية وأكثر الحكام بطشاً واستبداداً،

وتساهم في تغيير أنظمة الحكم ومساعدة هذا الفريق أو ذاك في توليه، وكشف المستور وفضح التزوير وتشويه الحقائق، وأحياناً تستطيع فعل عكس ذلك أي تزوير الحقائق وتشويهها والتلاعب بوعي المتلقي، مما عجزت عنه أعتى الأنظمة وأقسى وسائل الاستبداد والقمع، ولم يعد بالإمكان عامة نجاح أية خطة تنمية، أو تحقيق وحدة وطنية، أو ضمان استقرار النظام السياسي،

أو استتباب الأمن والسلام الاجتماعيين بدون استخدام وسائل الاتصال، كما صار ممكناً خلق المجتمع الاستهلاكي على حساب المجتمع المنتج، ووضع المجتمعات الإنسانية في خدمة العولمة المشوهة أي في خدمة البلدان الأكثر تطوراً أو تقدماً صناعياً وحضارياً،

وبالتالي زيادة شرائح الفقراء وزيادة فقرهم وخدمة الفئات التي تملك هذه الوسائل، وباختصار لم يعد عالمنا بقيمه وتقاليده وأساليب حياة شعوبه وهيكلية دوله وتداول السلطة فيه كما كان الأمر عليه قبل ثورة الاتصال، كما لم يعد يجهل الفرد شؤون الآخرين في بلده وبلدان أخرى وهمومهم واهتماماتهم وأولوياتهم كما كان حال آبائه.

إلا أن هذا التطور المتسارع لوسائل الاتصال وتأثيراتها العاصفة، ومنها العدد الاستثنائي للقنوات الفضائية التلفزيونية أدى إلى سلبيات عديدة جداً أو خطرة جداً على الفرد والجماعة والنظم السياسية والحكومات، فقد جعل من الفرد وهو الأساس الذي تقوم عليه هذه الأطراف جميعها نهباً لما تقدمه له،

ومكنها من التلاعب بالعقول وقلب سلم الأولويات وصارت تركض وراء التنافس على كسب المتلقين واستطراداً كسب المعلنين أو الأنصار والمتحالفين مع مالك القناة، ولعل هذا التنافس إذا أضيف إلى البث على مدار الساعة وإلى الرغبة في تخفيف الكلفة جعل بعض هذه القنوات تقدم برامج لا معنى لها تشوه الوعي وتلعب بالعقل وتدمر المجتمع وتزور الحقائق وتهتم بالقضايا التي لا أهمية لها، وتبحث عن برامج لملء الفراغ،

ولذلك نلاحظ أنه رغم وجود هذا العدد الهائل من القنوات الفضائية مازال العربي في هذا البلد يجهل شؤون العربي الآخر الحقيقية في بلد ثان، فهو لا يعرف أولوياته وطرق حياته وعيشه التي تزورها برامج الدراما عادة، كما لا يعرف حتى أبسط الأمور عنه (وهل يعرف أحدنا كيف يدفن الآخر موتاه؟) فتبالغ القنوات الإخبارية مثلاً في زيادة الاهتمام بالقضايا السياسية والأحداث اليومية والفتن والخلافات،

وتكرس بعض القنوات المتخصصة اختصاصها بتناول سطحي للقضايا كبعض القنوات الدينية أو الرياضية أو المختصة بالغناء والمنوعات أو غيرها، والمشكلة أن بعض الشرائح الاجتماعية أخذت مشاهداتها لا تتجاوز القنوات التي تحقق هوايتها وتهمل القنوات الأخرى مما يجعل وعي المشاهد واهتمامه

وثقافته مقتصرة على نوع هوايته وتجعله جاهلاً بالقضايا العامة وشؤون بلده الأخرى وشؤون العالم، ولا يعود يرى إلا بعين واحدة وبقصر نظر، وتتحول هذه القنوات من وسائل لنشر المعلومات والمعرفة إلى وسائل لنشر الجهل بما هو خارج اهتمامها.

لهذا كله يمكن الزعم أن ضرورة وضع ميثاق لم تأت من فراغ وهي وإن كانت ببعض جوانبها كلمة حق أراد بها وزراء الإعلام تحقيق أهداف أخرى، ومحاولة لتنميط هذه القنوات وحماية الأنظمة السياسية من النقد والانتقاد، والتضييق على المعلومة أو الرأي أو الخبر الذي يكشف الزيف ويفضح المستور،

إلا أنها رغم ذلك كله تتحسس بالحال الذي وصلت إليه القنوات الفضائية العربية، الرسمية منها والخاصة، وتتلمس أكثر مصالح الأنظمة والحكومات لا مصالح الأفراد (المواطنين) والشعوب (المجتمعات). ولعل همها الرئيس كان حماية الأنظمة والمسؤولين من النقد لا حماية المواطن من تشويه الوعي وانحراف السلوك. .

إن مجتمعاتنا أمام معضلة حقيقية فبدلاً من أن يكون تفجر الاتصال في بلادنا وسيلة لتفتح الوعي ونقد شوائب التراث والعادات ومحاربة الظلم والاستبداد، ونشر ثقافة الحرية والديمقراطية، ومواجهة التقاليد الاستهلاكية والعولمة المشوهة وتحقيق السلم الاجتماعي وبناء المواطن الواعي المثقف الصلب، نراه للأسباب التي ذكرت ولغيرها يتحول إلى صوت للطغمة وعنصر فاعل في تفتيت الجماعة وتحويلها إلى جماعات وتعدد ولائها لغير مجتمعاتها،

وتجاهل الوظائف الأساسية للقنوات الفضائية بما هي وسائل لنشر الوعي والمعرفة العميقة بالشؤون المحلية والعربية والدولية، وتحقيق التنمية وبناء المجتمعات المتطورة والمواطنين الواعين لحاضرهم والطامحين لمستقبل أفضل. وإن كان يوجد بعض الخطر من تأثير القنوات الفضائية غير العربية على المتلقي في المجال السياسي أو الاقتصادي أو غيرهما فإن خطر بعض القنوات الوطنية أشد وأكثر تنوعاً لفقره وسطحيته على الأقل.