يسود اعتقاد في موسكو أن توقيع اتفاقية التعاون بين مصر وروسيا في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، انجاز كبير في اختراق الاحتكار الغربي لأسواق الشرق الأوسط، وأنها ستفتح الطريق لكي تصبح الشركات الروسية لاعبا أساسيا في سوق التقنيات النووية التي تستخدم في الأغراض السلمية. ومما لاشك أن لهذا التفاؤل مبرراته، إلا انه مبالغ فيه إلى حد ما.

باعتبار أن الاتفاق الذي تم توقيعه بين شركة «روس أتوم» الروسية ووزارة الكهرباء و الطاقة المصرية لا يتضمن الاتفاق على تشييد محطات توليد الطاقة، وإنما يتناول سبل التعاون في أعداد الكوادر المصرية للعمل في المنشآت النووية،والاستفادة من التقنيات والخبرات الروسية في مجال استخدام النظائر المشعة إضافة لاستخدام الطاقة النووية في المجالات المدنية الأخرى .

ومما لا شك فيه أن أعداد وتدريب الكوادر المصرية وبنود الاتفاقية الموقعة، ستربط قطاع الطاقة النووية المصري بالتقنيات الروسية.إلا أن بناء وتشييد محطات توليد الطاقة أمر آخر وفق مفهوم المصريين، والحصول على عقود تشييد هذه المحطات يمر عبر مناقصة عالمية ستعلن عنها الحكومة المصرية خلال هذا العام.

وبالتأكيد ترحب مصر بمشاركة الشركات الروسية في هذه المناقصة، أولا لخلق أجواء منافسة بالنسبة للأسعار و تكاليف تشييد هذه المحطة.

ومع ذلك يبقى حصول الشركات الروسية على هذه العقود مرتبطا بعوامل متعددة أولها مطابقة مشروعاتهم للمواصفات الفنية التي تطلبها الحكومة المصرية ولاحتياجات قطاع الطاقة المصري. وقد يكون تحقيق هذا العمل أمرا سهلا بالنسبة للشركات الروسية،إلا أن العامل الثاني والذي غالبا ما سيتأثر بالجوانب السياسية للمشروع قد يكون عقبة بالنسبة للشركات الروسية يصعب تجاوزها.

وزير التجارة الخارجية والصناعة المصري رشيد محمد رشيد أعلن أن بلاده ترحب بالتعاون مع روسيا في مجال الطاقة النووية السلمية،مشيرا إلى أن مصر ستختار شريكا لها لتنفيذ برنامجها النووي من خلال تنظيم مناقصة عالمية. واضاف إن عدد المرشحين المحتملين محدود، وسيكون إلى جانب روسيا 3 أو 4 دول أخرى.

وإذا أردنا تقييم أداء الشركات الروسية في هذا المجال،فلابد من القول إن مشروعات شركة(آتوم ستروى آكسبورت) تعتبر من أهم منجزات قطاع الطاقة النووية، وهو ما اثبتته المنافسة في الأسواق العالمية، فقد حسم المشروع الروسى لبناء محطة ( بيلينى الكهروذرية) البلغارية المعركة الضارية بين عدد من الشركات العالمية للحصول على عقد تشييد هذه المحطة.وذلك بالرغم من أن بلغاريا آنذاك كانت على أبواب الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي،ووجود روسيا في مشروعها النووي الضخم كان أمرا حساسا للغاية. ولم يتمكن الخبراء البلغار والأجانب في هيئة التحكيم من العثور على أي عيوب في العرض الروسي.

وساهمت الكفاءة المهنية في فوز «آتوم ستروي أكسبورت» في المنافسة على تنفيذ أول مشروع روسي في الاتحاد الأوروبي. وبات هذا الأسلوب بمثابة ماركة تجارية للشركة التي شيدت في الصين أيضا أول محطة الكهروذرية(تان-فان) في ظروف صعبة، وكذلك في الهند يجري بناء محطة كودان كولام الكهروذرية. وتنفذ شركة «آتوم ستروي أكسبورت» اليوم مشاريع تشكل أكثر من 20 بالمائة من السوق العالمية.

وقد تبدو تصريحات الجانب المصري مطمئنة ومشجعة للشركات الروسية،إلا ان هذا لا يعتبر مؤشر حاسم لإمكانية الحصول على عقود تشييد المحطة المصرية. إذ من المعروف أن مشروع الحكومة المصرية والخاص بـ «اللجوء إلى البدائل غير التقليدية للطاقة ومنها الطاقة النووية باعتبارها أمرا ملحا لتلبية الحاجات المتزايدة للاستهلاك» تقرر تنفيذه خلال الثمانينيات في القرن الماضي.

وأجرت آنذاك مصر اتصالات مع عدد من الدول لبناء محطات كهروذرية،إلا ان هذا المشروع تم تجميده تحت وطأة الضغوط الأميركية، واكتفت الحكومة في سد عجز الطاقة بتشييد المزيد من محطات توليد الكهرباء.العديد من المحللين السياسيين المصريين يعتبرون أن عودة الحكومة المصرية لإحياء هذا المشروع ليست أكثر من مناورة سياسية ذات أبعاد داخلية. على أية حال لابد من الاعتراف بأن قرار إحياء هذا المشروع يواجه معارضة أميركية، خاصة أن توقيع مصر لاتفاق تعاون مع روسيا في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، خارج النموذج الأميركي والذي يلتزم ببرنامج المجموعة الدولية التي تعمل في مجال استخدام الطاقة النووية بإشراف الولايات المتحدة.

حيث يجبر برنامج هذه المجموعة الدول الراغبة في الاستفادة من الطاقة الذرية في الأغراض السلمية على إعادة الوقود النووي المستخدم إلى الولايات المتحدة.وقد كشفت مصادر مصرية أن زيارة ماكين إلى القاهرة والتي جاءت قبل زيارة مبارك إلى موسكو، استهدفت بالدرجة الأولى إقناع مصر بالتخلي عن مشاريع التعاون في المجال النووي مع روسيا.

هذه العوامل تطرح تساؤلات جادة وأساسية حول آفاق التعاون المصري ـ الروسي، وهل ستتمكن الإدارة المصرية من الصمود في وجه الضغوط الأميركية، وتنفيذ مشروعاتها بالتعاون مع روسيا؟ أم أنها ستضطر في النهاية للرضوخ للطلبات الأميركية. وقد تسربت معلومات من الوفد المرافق للرئيس مبارك خلال زيارته إلى موسكو بأن المصريين يفضلون التعامل مع الشركات الفرنسية في مجال تشييد المحطات الكهروذرية.

وربما يعود ذلك لقناعتهم بأن هذا لن يثير القلق الأميركي. ولكن حقيقة الأمر أن واشنطن ستمارس نفس الضغوط وتشن نفس الحملات إذا لم يقع المشروع النووي المصري تحت سيطرتها،لأن المنافسة في سوق التقنيات النووية العالمي بدات تحتدم وتستخدم فيها الشركات الأميركية كافة السبل، بما فيها الضغوط السياسية وتهديد بقطع المعونات لإجبار الدول الراغبة في الحصول على التقنيات النووية، على التعامل مع الشركات الأميركية فقط.

مما لاشك فيه أن احتياج مصر للطاقة النووية يتنامى يوما بعد يوم، وذلك لسد احتياجاتها الكبيرة، ناهيك عن تأثير ذلك في تطوير الصناعات المصرية. ما يضع الحكومة المصرية أمام خيارين، إما أن تواصل ما بدأته بالرغم من العقبات والضغوط التي ستتعرض لها.أو ترضخ للضغوط الأميركية، ما سيؤثر سلبا على مختلف المجالات الصناعية والإنتاجية لديها. وقد يكون اتخاذ هذا القرار صعبا،ويحتاج حساب دقيق للأرباح والخسائر إلا انه سيحقق فائدة كبيرة على المدى الأستراتيجى.

مركز دراسات الطاقة الروسي