في الذكرى الخامسة لبدء الحرب على العراق ألقى الرئيس جورج بوش كلمة في وزارة الدفاع الأميركية في التاسع عشر من مارس الجاري محذراً من عواقب وخيمة تحيق بالاقتصاد العالمي إذا انسحبت الولايات المتحدة من العراق حيث سيقوم تنظيم القاعدة بالسيطرة على الثروة النفطية الهائلة الموجودة فيه، هذا ما قاله الرئيس الأمريكي.
وقد حرص على تذكير الأميركيين بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ولم ينس أن يربط في كلمته بين التراجع الذي حصل في الاقتصاد الأميركي وتلك الأحداث في حينه، فهو لم يذكر في كلمته من فقد حياته في ذلك الحدث المدوي فقط بل من فقد عمله كذلك حيث ذكر بأن العدد قد قارب المليون.
والرئيس بكلمته هذه قد ربط جدلياً محنة الاقتصاد الأميركي الحالية بنشاطات تنظيم القاعدة في العراق وهو بذلك يقدم أطروحة جديدة أمام الرأي العام الأميركي لتبرير البقاء الطويل في العراق. فالوقوف في وجه القاعدة وضمان تصفيتها في العراق سيساعد بطريقة غير مباشرة على حل بعض أزمات الاقتصاد الأميركي التي زادت مع ارتفاع أسعار النفط في العالم بشكل ملفت للنظر.
فالعراق قادر في الظروف الطبيعية على مضاعفة إنتاجه من النفط مرات عديدة، فلديه حقول غير مستثمرة بعد وحقول أخرى كبيرة تم الكشف عن وجودها مؤخراً في المنطقة الغربية مما قد يخلق وفرة في النفط المطروح في الأسواق العالمية وبالتالي انخفاض أسعاره.
إلا أن هذه المسألة بالذات لها وجه آخر يراه المناهضون للحرب على العراق في الولايات المتحدة بشكل خاص، فهم يرون بأن هذه الحرب هي أحد أهم أسباب تباطؤ الاقتصاد الأميركي، ومن أبرز من يحمل هذه الهراوة الضخمة في وجه الحزب الجمهوري في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية هو المرشح الديمقراطي باراك أوباما والذي وجد في هذا الموضوع بالذات ما يحرج كذلك منافسته على الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة هيلاري كلنتون التي منحت صوتها في مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح شن الحرب على العراق في حين امتنع هو عن ذلك في حينه.
فوفق استبيان قامت بإجرائه محطة سي إن إن الإخبارية ونشر في التاسع عشر من مارس الجاري فإن نسبة كبيرة من الأميركيين بلغت71% يرون بأن الحرب في العراق هي السبب في متاعب الاقتصاد الأميركي.
الحرب على العراق هي الأكثر كلفة بعد الحرب العالمية الثانية في تاريخ الولايات المتحدة، فقد وصلت كلفتها الحقيقية أضعاف ما كان متوقعاً عند التخطيط لها، فالمصروفات المباشرة وحدها بلغت 500 مليار دولار. ويتوقع مؤلفا كتاب «حرب التريليونات الثلاثة»، جوزيف ستيغلفز الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وليندا بيلمس، أن تبلغ كلفة هذه الحرب ثلاثة تريليونات كحد أدنى وقد يرتفع هذا الرقم ليصل إلى خمسة تريليونات.
أبرز ما ورد في كلمة الرئيس بوش هو قوله إن انسحابه من العراق سوف يؤدي إلى وقوع الثروة النفطية الهائلة في العراق في أيدي الإرهابيين ويضيف إلى ذلك بأن هذه الثروات قد تعيد لزعيم تنظيم القاعدة أحلامه في الحصول على أسلحة نووية لضرب الولايات المتحدة وربما دولاً أخرى.
وهذا لعمري أعجب ما قاله الرئيس منذ زمن طويل، فطرح كهذا يفرض أسئلة كثيرة: فما الذي صنعته الولايات المتحدة في الخمس سنوات السابقة في العراق إذا كان الجيش العراقي الجديد الذي يضم ما يقرب من ربع مليون جندي والشرطة العراقية التي يقرب عددها من نصف مليون، حسب تصريح الناطق بلسان الحكومة العراقية في الثامن والعشرين من فبراير المنصرم، لا يستطيعان مواجهة بضعة آلاف من الأفراد، في أحسن التقديرات، يختبئون هنا وهناك ولا يمتلكون إلا أسلحة خفيفة وليس بحوزتهم سوى دعم لوجستي ضعيف ومحدود وقد هُزموا بسهولة أمام مجالس الصحوات التي تشكلت في بعض المحافظات.
أليس هذا إقرار بفشل الولايات المتحدة في بناء دولة جديدة في العراق؟ أم هو انتقاص من قدرات الدولة العراقية القائمة ؟ أم هو استخفاف بعقول الناس؟، أم أن الولايات المتحدة قد تعمدت بناء هياكل ضعيفة لتبرر وجودها الطويل الأمد؟ أم ماذا؟.
لا أعتقد أن تسطيحاً بهذا القدر يقنع أحداً، صحيح أن التحسن الأمني هش للغاية ولكن ذلك ليس بسبب قوة تنظيم القاعدة وإنما بسبب بقاء الأزمة السياسية في البلد وبقاء الأسباب التي تعيق مشاريع المصالحة الوطنية، فالتدهور الأمني الخطير الذي شهدناه في الأيام الأخيرة في مدن الجنوب وخاصة في البصرة حيث يوجد أهم الحقول النفطية المنتجة لم يكن بسبب عمليات قام بها تنظيم القاعدة.
اهتمام الولايات المتحدة بالنفط العراقي ليس جديداً فلم يغب عمن تابع أحداث التاسع من أبريل 2003 رؤية الدبابات الأميركية تحرس وزارة النفط في بغداد وتترك ما خلا ذلك للنهب والسلب والتدمير، ولا يغيب عن المتابع للوضع السياسي في العراق حالياً التعرف على الضغوط التي تسلطها الولايات المتحدة على الحكومة العراقية لإمرار قانون النفط والغاز الجديد الذي ستصبح بموجبه أبرز المستفيدين من النفط العراقي.
ولكن الجديد هو أن أسعار النفط التي قفزت إلى مستويات قياسية بدأت تثقل كاهل المستهلك في الولايات المتحدة وأوربا وبقية الدول التي تستورد حاجاتها من النفط، وهنا تحول هذا الموضوع إلى ورقة ضغط لابتزاز المواطن الأميركي كي يتوقف عن التذمر من بقاء قوات بلده في العراق.
كما أن لهذا الربط غرضا آخر يتعلق بأجندة المرشح الجمهوري جون ماكين الذي يطمح بخلافة بوش في البيت الأبيض و الذي سبق وأن صرح بأن الولايات المتحدة ستبقى في العراق لمائة سنة.
لم تسلم أطروحات الرئيس الأمريكي هذه من تهكمات كثيرين ممن خدموا في الإدارة الأميركية الذين يعتبرون المليشيات المسلحة في المناطق الجنوبية من العراق هي الأكثر خطورة على حقول النفط وليس تنظيم القاعدة الذي لا يستطيع الوصول إلى تلك المناطق.
وقد وصف أحد المديرين في شبكة الأمن القومي، وهي إحدى المجموعات المستقلة في قضايا الدفاع والسياسة الخارجية، ما يراه الرئيس الأميركي حول إمكانية سيطرة القاعدة على الحقول النفطية في العراق بأنه خيال يشابه ما نقرأه في قصص جيمس بوند.
كاتب عراقي