كثيراً ما نسمع أو نقرأ عن جثث مجهولة الهوية، تبحث الجهات المختصة عمن يتعرف إليها، ويدلي بأية معلومات عنها، تساعد في القيام بالإجراءات الخاصة بالدفن، بعد التوصل إلى أهل المتوفى. لكن مثل هذه الحالات تعدّ قليلة ونادرة التكرار في المجتمعات التي تنعم بالأمن والأمان، لذلك لا تدخل ضمن نطاق حديثي هنا، لأنني أعني تلك الجثث التي أخذ عددها يتزايد مع اشتداد الوضع في العراق ـ خصوصا ـ إذ أصبحت عبارة «جثث مجهولة الهوية» مألوفة ودارجة في الاستعمال على نحو يومي، أو شبه يومي.

إنني أتساءل عن مصير هذه الجثث، وكيفية التعامل معها، وإلى متى سيستمر الإخبار عن جثث مجهولة الهوية في هذا البلد الذي يعاني ما يعانيه منذ سنوات، ولا يزال ينتظر الفرج. السؤال هنا يطرح نفسه من جهة أخرى، ما قيمة الإنسان بين كل هذا الذي يحدث من حولنا أنى التفتنا؟ إن الإنسان في كثير من دول العالم الثالث لا يجد ما يأكله، ولا يجد ما يسدّ به جوعه، ولا يجد ما يخفف به آلامه الجسدية الكثيرة التي يعاني منها، ولا يجد ما يخفف آلامه النفسية الناتجة عن فقدانه لكل ما سبق، فهل من المعقول ألا يجد أيضا من يتعرف عليه بعد أن يموت؟

ثم إن الميتات في هذا الوقت أصبحت أيضا مما يفقد الإنسان قيمته في اللحظة التي يفقد فيها حياته؛ ففي عدد كبير من الدول التي تنعم بالاستقرار والأمان تذهب كثير من الأرواح سدى دهسا تحت إطارات السيارات، أو احتراقا في سيارة، وكل ذلك نتيجة حوادث مرورية كالسرعة والإهمال وعدم الالتزام بالقوانين المرورية وهي الأسباب الرئيسية فيها.

أما في البلدان التي تعاني ويلات الحرب ومصائبها فإن الأرواح تخرج من أجسادها في هجمات تفجيرية، أو في أعمال عنف، أو برصاص مسلح مهووس، وهي جميعها أشكال تخدش قيمة الإنسان في أكثر اللحظات حرجا.. لحظة تقبع في مكان متوسط بين تخوم الحياة والممات.. لحظة مفارقة الروح للجسد.

قبل أيام أعلن مصدر طبي عراقي أن أعداد الجثث مجهولة الهوية التي يُعثر عليها في بغداد وما جاورها من مدن ارتفع إلى خمس عشرة جثة خلال الأسبوعين الماضيين، بعد أن كان قد انخفض إلى جثتين يوميا خلال الفترة السابقة!!

هل العثور على جثتين يوميا أصبح طبيعيا في بغداد الحضارة والتاريخ؟ وهل هاتان الجثتان لا قيمة لهما في عرف أرباب الحضارة والمدنية المعاصرين حتى أصبحتا تمثلان المعدل الطبيعي لعدد الجثث غير المعروفة يوميا منذ بداية العام الحالي في بغداد؟

لقد كتبنا في مقالات سابقة أننا أصبحنا نرى الموت أشكالاً وألواناً على شاشات الفضائيات، حتى اعتدنا -أو أوشك معظمنا- على التعود على منظر الموت، ومنظر الجثث المتفحمة، ومنظر الأشلاء البشرية المتناثرة في الشوارع، ومنظر الجثث الملقاة على قارعة الطرقات بلا اهتمام، مما يمنح إحساسا قويا بلا قيمتها.

وهذا بدوره يولد إحساسا بلا جدوى الحياة إذا كان الإنسان.. أي إنسان.. قد يصبح في لحظة من اللحظات مثل أية قطعة من سقط المتاع، ملقاة بلا مبالاة ولا احترام لإنسانيتها على الأرض إلى أن تنقل إلى ثلاجات حفظ الموتى التي تقبع فيها حتى يتعرف إليها أحد، أو حتى تُنقل إلى مثواها الأخير!

إن منظر هذه الجثث التي تتعدد أشكال موتها، لكنها تلتقي في نقطة واحدة حين لا تجد احتراما لها حتى بعد أن تخرج الروح من الجسد، ولا يكون لها أمل في أن تمرّ عليها عينا شخص يعرفها ويتعرف إليها، تقودنا إلى الإحساس ـ المرفوض عقلا بالنسبة لي على الأقل- بعبثية الحياة، ولا قيمتها، ولا جدواها.

ولكن هذا ما يجرّنا إليه الواقع جرًّا، إذ ليس من السهل التعامل يوميا مع أرقام جثث، خصوصا إن وُصفت بأنها مجهولة الهوية، في حين إن الإنسان موجود على وجه هذه الأرض ليعمرها ويحيا فيها حياة كريمة، ولكن يبدو أنه ليس من حق جميع البشر أن يحيوا حياة كريمة إذا كانت المقاييس ستظل مقلوبة بين الشرق والغرب كما هو حادث بالفعل.

المشكلة أن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ بموعد ينتهي فيه كل هذا الذي يحدث في العراق، وإذا أمكن التنبؤ بذلك بالنسبة للعراق -وهو ما يبدو بعيدا جدا حتى هذه اللحظة- فإن القائمة تمتد قبل العراق وبعده، ولا تنتهي، ولن يتوقف شلال الدم المنسكب من شريان البشرية بانتهاء المأساة العراقية.

فما يحدث في غزة هو شكل آخر من أشكال امتهان الإنسان، خصوصا حين يفتك الإنسان بأخيه، ليس بأخيه الإنسان الذي يشاركه الأخوة الإنسانية بمفهومها العام، بل بأخيه الذي يشاركه الأرض والدين واللغة والقضية والألم والحلم، وكأن السهام تصبح موجهة من الإنسان إلى نفسه. وهنا نجد جثثا أيضا، ولكن من نوع آخر، إذ تفوح منها رائحة الغدر والكراهية.

وتتساوى الجثث التي يفقد أصحابها حياتهم ـ بل حقهم في الحياة ـ نتيجة ظروف حرب مع تلك التي يذهب أصحابها ضحايا قلة الغذاء والدواء، كما يحدث في كثير من الدول الإفريقية التي لم تتمكن البشرية من توفير ما يقيم أوَد الإنسان فيها، على الرغم من كل ما تنتجه البشرية من غذاء يفوق ما يحتاجه سكان الكرة الأرضية بجهاتها الست.

ولكن عدم إدراك قيمة الإنسان بشكل حقيقي وجوهري أدى إلى سوء توزيع الغذاء بين الناس، بحيث يفيض عند جماعة منهم، وينعدم عند جماعة أخرى، تتحول يوما بعد يوم إلى ركام من العظام، كانت في يوم ما تمثل أجسادا بشرية، لتزيد من عدد الجثث التي تطفح على وجه الكرة الأرضية، وكأن باطن الأرض قد ضاق بها، فظهرت على سطحه!

وهنا يعود السؤال ليفرض نفسه مرة أخرى: ما قيمة الإنسان؟ وكيف يمكن أن ندرك نظريا أن للإنسان قيمة، أو أن الإنسان هو القيمة المقدسة في الوجود كما يحلو للبعض أن يردد، إذا كان الواقع يقول عكس ذلك بالصوت والصورة؟

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com