هل حقا ما نسمعه ونقرأه من أن الولايات المتحدة الأميركية غرقت في وحل المستنقع العراقي، وأن سياسات إدارة الرئيس بوش على مدى السنوات الخمس الماضية في العراق ثبت فشلها بشكل واضح للجميع؟

وإذا كان الأمر كذلك بالفعل فلماذا لا نسمع المرشحين للرئاسة الأميركية سواء الجمهوريين منهم أو الديمقراطيين يصرحون علنا بأنهم ضد هذه السياسة وأنهم سيسعون لتغييرها فور وصولهم للبيت الأبيض؟

بل على عكس ما كنا نظن فإننا نجد المرشح الجمهوري جون ماكين متشبثا بهذه السياسة ومصمما على مواصلتها بعد فوزه، بينما المرشحان الديمقراطيان لم يصف أحدهما سياسة بوش في العراق بالفشل، ولم يبادر أحدهما بإعلان نيته سحب القوات الأميركية من هناك، ترى كيف يفكرون هؤلاء الناس أو ربما بالأصح كيف نفكر نحن؟

لم تشهد هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام ما شهده احتلال العراق من فضائح وأكاذيب واستقالات داخل الإدارة الأميركية، كما لم تشهد حقبة فيتنام سخط وغضب وكراهية للسياسة الأميركية مثلما يحدث الآن بسبب العراق، ولم تؤثر حرب فيتنام على قوة وتماسك المعسكر الغربي بقيادة واشنطن ولا على قوة حلف شمال الأطلسي.

بينما أوجدت حملة بوش على الإرهاب شرخا كبيرا، بل شروخات عدة في العلاقات الأميركية الأوروبية جعلت واشنطن تسعى لكسب الدول جديدة العضوية في الاتحاد الأوروبي لتضرب بها عجائز أوروبا «على حد وصف رامسفيلد»، كما بات حلف الناتو على وشك التصدع بسبب أزمته الحادة في أفغانستان التي جعلت وزير الدفاع الأميركي جيتس يتهم ألمانيا صراحة بأنها تبيت النية لهدم الحلف بعد موقفها الرافض لمشاركة قواتها في العمليات في جنوب أفغانستان.

الاقتصاد الأميركي يشهد أزمة لم يشهدها على مدى أكثر من نصف قرن مضى، والديون الداخلية تضاعفت بالتريليونات، والدولار أصبح عملة شبه مرفوضة يتهرب منها الجميع، وسمعة أميركا عالميا في الحضيض، ورغم هذا كله فإن بوش ومن حوله يفتخرون بإنجازاتهم في العراق.

الواقع أن نسبة النجاح أو الفشل في أي شيء تقاس بالأهداف ومدى النجاح أو الإخفاق في تحقيقها، ووفق هذه البديهية فإنه يمكن أن يقال أن الرئيس بوش لم يفشل في العراق كما يتصور الكثيرون، بل يمكن القول إنه حقق هناك إنجازات ونجاحات أكثر مما كان يتوقع وأكثر مما كان مطلوب منه، فقط علينا أن نتبين ما هي الأهداف التي كان يسعى بوش إلى تحقيقها في العراق.

ولكي نتبين هذه الأهداف بشكل صحيح علينا أن نفرق بشكل جذري بين بوش ومعه فريق اليمين المحافظ من جهة وبين الولايات المتحدة الأميركية كدولة وأمة وشعب من جهة أخرى، والفارق موجود وقائم وواضح منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، هذه الأحداث التي أعطت اليمين المحافظ في الإدارة الأميركية الحق والضوء الأخضر لإطلاق حملتهم العسكرية ضد ما أسموه بالإرهاب.

وهي الحملة التي فتحت لهم خزائن الأموال والعائدات الهائلة التي تجاوزت التريليون دولار من نفقات هذه الحملة حتى الآن ذهب معظمها إلى خزائن أباطرة صناعة السلاح والنفط في الولايات المتحدة، ولو كانت الحملة توجهت منذ البداية نحو هدفها المعلن للجميع وهو مكافحة الإرهاب لاستطاعت أن تحقق أهدافها بأقل من ربع تكلفتها وفي زمن أقل بكثير مما استغرقته ومازالت تستغرقه حتى الآن، لكن مكافحة الإرهاب لم يكن الهدف.

لقد جاء اليمين المحافظ ومعه بوش الابن للبيت الأبيض من أجل تحقيق أهداف محددة تخدم مصالح جهات محددة، وتملأ خزائن إمبراطورية المال العسكرية والنفطية التي يمثلها اليمين المحافظ ويعمل لحسابها، هذه الخزائن التي شهدت خواء وإفلاسا كاد يحطم عروش وأمجاد أصحابها بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين في مطلع التسعينات.

وزادت مع تولي الديمقراطيين الحكم في البيت الأبيض ثمانية أعوام عجاف جعلت أباطرة المجمع الصناعي الحربي يتسولون يستجدون من أجل بيع صفقة سلاح هنا أو هناك، ولم تكن هذه الإمبراطورية تستطيع تحمل سنوات أخرى من الجفاف والحرمان، لهذا وضعت خطتها الجهنمية وأتت بإدارة أميركية يسيطر عليها اليمين المحافظ الممثل لمصالح هذه الإمبراطورية ووضعت لهم الأهداف، وكانت أحداث 11 سبتمبر نقطة البدء في تنفيذ الخطة التي مازالت مستمرة وتحقق أهدافها بنجاح باهر.

الرئيس بوش وبجواره «البيج بوس» أو «الأب الروحي» لليمين المحافظ نائبه ديك تشيني يعلمون علم اليقين ماذا يفعلون ولحساب من يعملون، ويؤدون مهامهم بنجاح منقطع النظير، ولا يهمهم الأخطاء والأكاذيب والفضائح والاستقالات، ولا يحرك ضمائرهم ولا حتى شعرة في رأسهم ملايين القتلى والضحايا من العراقيين والأفغان وغيرهم ولا حتى من الجنود الأميركيين، مثلما لم يحركها من قبل الآلاف من ضحايا تدمير البرجين في نيويورك الذين يعلم الله ويعلمون هم أيضا من المسؤول عن مأساتهم، سيل دماء الملايين من البشر لا يساوي شيء لديهم أمام سيل عائدات النفط وبيع السلاح في خزائنهم.

لقد نجح بوش ومن معه في تحقيق الأهداف المكلفين بتحقيقها والتي من أجلها كان وجودهم في البيت الأبيض، أما ما جنته الولايات المتحدة كأمة ودولة من فضائح وسمعة سيئة وكراهية وفقدان هيبة وتراجع أصدقاء وحلفاء وأيضا من أرواح جنودها في العراق وأفغانستان، فهذا كله لا يهم اليمين المحافظ بشيء، لتحصد أميركا الفشل وليحصدوا هم النجاح في تحقيق أهدافهم والمهام المكلفين بها من أسيادهم القابعين خلف الكواليس.

elmoghazy@hotmail.com