بعد قيامها، أكدت إسرائيل غلوها في الاتكاء على الدين في الصراع. جري ذلك عبر الأنساق القانونية والسياسية التي اشتقتها تباعاً. فهي بحسب أطرها شبه الدستورية ـ إذ ليس لها دستوراً مدوناً ـ دولة لليهود أينما كانوا. وذلك موثق بقانوني العودة والجنسية. وفي الممارسة يتم التمييز داخل إسرائيل لصالح اليهود وضد العرب الفلسطينيين الأصلاء مسلمين كانوا أم مسيحيين.
هذه معالم أشهر من أن نستغرق فيها. ولا يقدح في إذكائها للمضامين الدينية ما يقال عن سيطرة العلمانيين على السياسة والحكم هناك. فمعظم القوانين التمييزية على خلفية الدين ـ العرق في إسرائيل صدرت في عهود أكبر القوي الموصوفة بالعلمانية، حزب العمل وأشياعه. ومثل ذلك يمكن أن يطرح بخصوص حركة التوسع الاستيطاني التي تحصنها رؤى دينية.. ثم إن توافق كل ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي على مصير القدس والحرم الإبراهيمي في الخليل يعزي إلى هذه الرؤى بالذات وليس غيرها.
أهم من ذلك كله أن زحف القوي الدينية إلى سدة الحكم والسياسة والإدارة في إسرائيل، الذي تقدم غداة حرب 1967 واستشرى بعيد حرب 1973، بلغ راهناً أوجه حتى أن أحداً لا يسعه التشكيك في انحسار التيارات العلمانية بيمينها ويسارها لصالح هذه القوي، ولا في أن العلمانيين يسعون بشق الأنفس لإسماع صوتهم والتعبير عن مجرد وجودهم كشريك صغير في العملية السياسية وضاعة القرار.. حزب العمل نموذج صارخ على هذه الموضوعة.
والحق أن التوصيف الديني للصراع ـ بغض النظر عن مدى صحته وحصافته ـ تعرض للتراجع على الجانب الفلسطيني العربي بأكثر مما حدث على الجانب الصهيوني الإسرائيلي. لكن ذلك جرى لفترة محدودة ومحددة. تلك التي شهدت ما يعرف بمرحلة المد القومي بين حربي 1956و1967 بخاصة. تفسير هذه الظاهرة مبثوث في الأدبيات العربية والفلسطينية على نحو ضاف.
وفي ذلك يذكر أحد مسؤولي حكومة عموم فلسطين (1948-1963) كيف عزف ناشطون فلسطينيون كثيرون عن التركيز في خطابهم على هويتهم الوطنية، «لأن ذلك سيبدو مخالفاً للحالة القومية السائدة في تلك المرحلة!».
ويصح أن ننظر للهزيمة العربية عام 1967 كنقطة تحول كبري في إعادة تكييف طبيعة الصراع فلسطينياً وعربياً. فقد تعزز على إثرها المفهومان الوطني والديني فيما راح المفهوم القومي يترنح إلى يومنا هذا. ومن آيات ذلك فلسطينياً، سيطرة حركة فتح على منظمة التحرير، وتعديل الميثاق «القومي» الفلسطيني ليصبح ميثاقاً «وطنياً» والتفات التيارات الإسلامية إلى العمل الكفاحي المسلح عوضاً عن الدور التربوي الرعوي والتعبوي الذي ساد منذ 1948، وصولاً إلى تبلور حركتي حماس والجهاد.
ويصدق الأمر ذاته على المثل اللبناني الذي حملت مقاومته اسم «الوطنية والإسلامية». ويجوز تعليل هذا التحول نسبياً بأن هذه التيارات وجدت أرضاً أو بطانة ثقافية شعبوية خصبة رعت فيها بسهولة، حين جرى تعليل الهزيمة بالإفراط في التعبيرات العلمانية.
هذا الحالة تثير مفارقة. لأن قطاعاً شعبياً واسعاً على الجانب الصهيوني الإسرائيلي وجد في الانتصار الإسرائيلي في حرب 1967 ما يبشر بتحقيق «الوعد الإلهي» لليهود لاسيما بعد احتلال القدس!. وهكذا فإن نتائج تلك الحرب أطلقت العنان للتيارات الدينية على الجانبين بناء على تقييمات دينية متعاكسة.
وليس ثمة في الأجواء الإقليمية والدولية الآن، ما يوحي بنفاد قدرة هذه التقييمات على أرض فلسطين وجوارها من اكتساب أنصار جدد. وفي ظل الخطابات المتداولة في غمرة ما يدعى بالحرب على الإرهاب، التي تحتفي باحتلال دولتين إسلاميتين، قد يكون العكس هو الصحيح.
ذلك لأن الأطراف المنغمسة في هذه الاحتلالات في فلسطين وأفغانستان والعراق تكاد تكون هي. ثم إن هذه الأطراف تلوك في خطابها التبريري لهذه الاحتلالات ما ينكأ الحمية الدينية لدي سواد المسلمين، ويحملهم على التفكير في الاصطفاف خلف القوى العقائدية بحسبها المدافع عن حياض الدين والدنيا.
وفي غضون ذلك، لا يعدم الواقع تسلل بعض المسيئين والمتطرفين وذوي العاهات الفكرية إلى أصحاب الأهداف النبيلة من هذه القوى. هذه قضية تدعوا للأسف، لكنها موجودة ومنظورة ولها علامات ونماذج في المجال السياسي فلسطينيا وعربيا وإسلاميا.
الشاهد والقصد أن ظاهرة أو محاولة تديين الصراع الصهيوني العربي وما يتفرع عنه ويتصل به حكماً من تعقيدات ومنازعات ومحاججات أقدم من أن تنسب إلى مرحلة الراهنة. وأن الذي بادر إلى اشتقاقها وابتداعها هو التحالف الاستعماري الصهيوني.
وأن ضعف الأطر الوطنية وفشل التكوينات القومية في كف يد هذا التحالف عن فلسطين وغيرها من الأقطار العربية والإسلامية، سيبقى الباب مشرعاً أمام الاستعانة بالظهير العقيدي إلى أجل يصعب تحديده، بمثل ما يصعب التكهن بمحصلته، ولأن التاريخ لم يقل بعد كلمته النهائية حول أفق هذا الصراع، فإن حدس عازورى وفطنته لا ينبغي لهما أن يفارقا من ينتظرون هذه الكلمة.
كاتب وأكاديمي فلسطيني