علينا نحن العرب أن نشعر بالقلق إزاء تطورات الانتخابات الرئاسية الأميركية، فعلى الرغم من أن معظم المتابعين للانتخابات على مر دوراتها يقولون إن التصريحات التي تصدر عن المرشحين في فترة الانتخابات تستهدف تأمين أصوات لهم ومعظمهم لا يلتزم بهذه التصريحات بعد وصوله إلى البيت الأبيض، إلا أن ما يهمنا من هذه الإشارات هي أنها تعبر عن توجهات أصبحت سائدة في السياسة الأميركية وأنها أخذت تتوغل في العقل الأميركي الأمر الذي أصبح يمثل مشكلة لنا نحن العرب مع السياسة الأميركية.
وأول هذه الإشارات هي أن المرشح الجمهوري جون ماكين بدا حملته الانتخابية من العراق التي مثلت أول زيارة خارجية له بعدما حسم الحزب الجمهوري ترشيحه له، وهناك أعلن دون مواربة انه لا انسحاب أميركي من العراق لو أصبح هو رئيسا لأميركا بعد الرئيس بوش.
وهذه الزيارة وما جرى فيها من تصريحات تؤكد أن ماكين الذي كان في السابق يمثل معتدلي الحزب الجمهوري أخذ يميل إلى التشدد ليقترب من مواقف وسياسات المحافظين الجدد، وهو ما يؤكد أن السياسة الخارجية له لن تتغير كثيرا عن سياسة الرئيس الحالي جورج بوش.
والذي يؤكد هذا الأمر أيضا أن ماكين بدا حملته بزلة لسان تذكرنا بزلات اللسان المتعددة التي يقع فيها الرئيس بوش، وذلك عندما ربط بين تنظيم القاعدة وإيران وهو ما يؤكد ضعف خبرته فيما يتعلق بالقضايا الخارجية مثله مثل الرئيس بوش.
وهناك إشارة أخرى مرتبطة بالمرشح الجمهوري لابد وان تجعلنا نحن العرب نخشى قدومه إلى البيت الأبيض لان قضايانا الأساسية سوف تتأثر بها. فاقرب مستشاريه هو السيناتور الديمقراطي السابق جون ليبرمان، الذي يلاصقه كظله منذ أن أعلن عن ترشيح نفسه.
فليبرمان الذي فشل أكثر من مرة لكي يصبح هو مرشح الحزب الجمهوري والذي ترشح من قبل لمنصب نائب الرئيس مع المرشح الأسبق آل جور، من الداعمين الرئيسيين لإسرائيل، ليس فقط لكونه يهودي الديانة ولكن مواقفه على الدوام مؤيدة لإسرائيل.
وكان من المؤيدين بقوة للحرب الأميركية على العراق واتخذ على الدوام مواقف في صالح هذه الحرب حتى ولو خرج فيها عن مواقف باقي أعضاء حزبه في الكونغرس الأمر الذي دفع الحزب لعدم ترشيحه في المرة السابقة لمجلس الشيخ فترشح كمستقل ونجح وأصبح يمثل ولاية ماسشيوتس كمستقل.
ويبدو انه يريد أن ينضم لإدارة ماكين في حال أصبح الأخير رئيسا لأميركا وفى كل الأحوال فإن اقتراب ليبرمان من ماكين لابد وان يجعلنا لا نطمئن لمواقف المرشح الجمهوري فيما يتعلق بالقضايا العربية.
ومن المؤشرات المقلقة أيضا المزايدات الفاضحة بين المرشحين في الانتخابات الرئاسية الأميركية حول امن إسرائيل بما يجعل المراقب لها يتصور أنها انتخابات الكنيست الاسرائيلي وليست انتخابات رئاسة الولايات المتحدة الأميركية .
فقد أعلن المرشح الديمقراطي باراك اوباما عن دعمه لإسرائيل وللروابط مع اليهود في الولايات المتحدة بعدما رفض الترحيب بدعم الزعيم المسلم الأميركي لويس فارا خان رئيس حزب امة الإسلام.
وجاء كلام اوباما خلال مناظرة تلفزيونية مع منافسته هيلا ري كلينتون في المناظرة الإعلامية الأخيرة التي جمعتهما قبل الانتخابات التمهيدية لولايتي أوهايو وتكساس قبل أيام. أما هيلارى فقد ردت بأنها اتخذت موقفا مبدئيا من احد الأحزاب خلال انتخابات مجلس الشيوخ في ولاية نيويورك عام 2000، وقالت ان حزب الاستقلال كان يقع في قبضة أشخاص وصفتهم بالمعادين للسامية ولإسرائيل.
وأضافت يبدو أن علي دفع الثمن لأنني تصرفت بهذا الشكل لكنني لا اقبل أن يرتبط اسمي بمجموعات تعتمد خطابا عنيفا وغير صحيح ومليء بالاتهامات غير الصحيحة لإسرائيل وأفراد ومجموعات الشعب اليهودي الذين يسكنون الولايات المتحدة. ومعنى هذا الكلام أن هناك سباقا بين المرشحين الديمقراطيين حول من منهما اقدر على حماية امن إسرائيل وأي منها يقف موقفا حاسما ممن يطلق عليهم المعادين للسامية.
وهذا يعنى أيضا أن القضايا المتعلقة بحقوق اليهود أصبحت من المسلمات الأساسية في هذه الحملة الانتخابية الأميركية، في الوقت الذي لم نسمع اي من المرشحين على الجانب الجمهوري أو الديمقراطي تحدث بكلمة واحدة عن العدالة أو حقوق الشعوب العربية أو تناول أي من القضايا العربية تناولا نزيها.
ومجمل هذه الإشارات تؤكد أن العرب خارج نطاق التأثير في الحملة الانتخابية الأميركية أن عليهم انتظار ترتيبات يتم التوصل إليها بعيدا عنهم لكنها سوف تؤثر على مستقبلهم. فإذا كان علينا انتظار الحملة الانتخابية بعد إعلان الحزبين عن مرشحيهما وهو ما سيسفر عنه أن يعقد جميع منظمي الحملات وخبراء الدعاية لكل مرشح اجتمعت مع ممثل الأقليات في الولايات المختلفة منهم ممثلو الأقلية العربية خاصة في الولايات التي لهم تجمعات مؤثرة مثل ميتشجان، على النحو الذي سيحدث في كل انتخابات.
ولكن هذه الاجتماعات سوف تكون شبه بروتوكولية بعدما أعلن كل مرشح مواقفه الأساسية من قبل، وهو ما يعنى أنهم سيظلون خارج نطاق التأثير في الحملة الانتخابية لكل مرشح، وهو ما يؤكد أن دورهم في هذه الانتخابات أصبح اضعف عنه في الانتخابات السابقة وهو ما يعنى أن دورهم يتراجع في العملية الانتخابية في الوقت الذي نسعى فيه جميعا لان يزداد قوة وتأثيرا.
بل من الممكن القول انه مع اقتراب موعد الانتخابات وصعوبة وشدة المنافسة فيها قد تحمل لنا نحن العرب إشارات أكثر مأساوية عن تلك التي حملتها لنا حتى الآن. فإذا كانت الإشارات الأولية مقلقة فقد تكون الأخرى كارثية علينا لأنه يمكن أن يترتب عليها سياسات طويلة المدى ليست في صالحنا على الإطلاق.
فقد يخرج احد المرشحين من جعبته التزاما بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. وهو أمر قد يفاجئنا قبل الانتخابات التي يبدو أننا قررنا ألا نفعل فيها شيئا فلم نسمع عن أي مواقف أو خطوات عربية اتخذت من اجل ضمان دخولنا إلى اللعبة الانتخابية الأميركية بصورة تحفظ لنا مصالحنا ولا تؤثر سلبيا على قضايانا.
كاتب مصري