رغم دخول الاحتلال الأميركي للعراق عامه السادس إلا أن شيئاً لم يتغير في أدبيات الرئيس بوش، فكل عام يحيي مناسبة الغزو بخطاب يردد فيه ادعاءات «النصر الاستراتيجي» ويؤكد فيه على الخير العميم الذي أسداه للبشرية حينما أسقط صدام حسين.

وهو حينما يردد الكلمات نفسها يتناسى عن عمد أنه مد لتنظيم القاعدة طوق نجاة فمنحه ساحة قتال جديدة بعد أن كان أوشك على الفناء واليأس، ومنحه مصداقية بددت الإفلاس الفكري الذي عاشه التنظيم إذ اتضح أن كل مزاعم التنظيم عن المطامع الأميركية محض حقيقة وليست محض خيال، بل إن قبور المقاتلين العرب الذين قتلوا أثناء الغزو الأميركي لأفغانستان تحولت إلى مكان لالتماس البركة مثلها مثل قبور أولياء الله الصالحين في الفكر الشعبي.

كما أن غزو أميركا للعراق أفاد إيران من حيث أراد أن يضرها، حيث هدم السور الذي يحول دون تمددها، وجعل بيدها أوراق لعب إضافية، وظل بوش يمضي في طريقه مغمض العينين غير معترف بفشله.

فحينما نشر برنت سكوكروفت العارف بشؤون المنطقة مقالاً في 15 سبتمبر 2002 بعنوان «لا تهاجم صدام حسين» في وول ستريت جورنال علق بوش بالقول «لقد أصبح سكوكروفت مزعجاً للغاية حينما صار مسناً» وكان طبيعياً من شخص لا يعرف الفرق بين السنة والشيعة كما يقول كتاب حديث بعنوان «مأساة جورج بوش» لجاكوب واينزبرغ أن يمضي في طريقه غير مبال بالدمار الذي يمكن أن يتسبب فيه.

ولأن بوش يرفض الاعتراف بأخطائه فقد ضاقت صدور قطاع كبير من النخبة الأميركية بتصرفاته، إلى حد دفع السيناتور الديمقراطي بوب ميننديز إلى إطلاق عبارات كالمدفعية الثقيلة تدك حجج بوش وتحيلها رماداً.. من بين ما قاله ميننديز: «إن بوش أخذنا إلى حرب على أجنحة الكذب»..

و«مع مرور كل سنة نسمع الوعود الزائفة نفسها حول الانتصار، والآن بعد دخول هذه الحرب سنتها السادسة لا نزال ننتظر سماع كلام صادق نستحقه» ويضيف ساخطاً «على بوش أن يقول لنا الحقيقة وهي أنه بعد مقتل آلاف الأميركيين وتبديد تريليونات الدولارات فإن العراق لا يزال مشلولاً بسبب العنف والفساد.. علينا سحب القوات واستخدام الأموال لإنعاش اقتصاد أميركا المريض».

أما السيناتور الجمهوري تشاك هاغل فأعرب في كتابه «أميركا.. فصلنا القادم» عن ذهوله لأن القيادة الحالية لم تتعلم شيئاً من مأساة فيتنام، وأن العالم سيذكر الحرب على العراق كواحدة من أكبر خمسة إخفاقات في التاريخ.

وربما كانت استقالة وليام فالون قائد المنطقة الأميركية العسكرية الوسطى أكبر صرخة في وجه أكاذيب بوش، وفي وجه تماهي الجنرال ديفيد بتراوس، قائد القوات الأميركية في العراق مع البيت الأبيض الذي يبني تصرفاته على جهل مطبق بالمنطقة وعاداتها وتاريخها وقيمها.

وربما كانت الثمرة الوحيدة التي جنتها أميركا من غزو العراق هي سقوط أكذوبة العمق العربي التي ظلت تخيف أي غاز أجنبي من الاعتداء على أي من دول المنطقة، وهي التي كانت حقيقة يوماً ما وتجلت كأروع ما يكون وقت العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وكذلك في حرب أكتوبر 1973. فقد تغيرت أوضاع وانقلبت رؤى وشاخت أفكار وأصيبت العزة العربية بنقص المناعة.

ورغم انكشاف الأكاذيب لم يعد لدى العرب ما يمكن أن يقدموه للعراق، فالبيانات الإنشائية فقدت مفعولها، والمواقف التي تضع في اعتبارها مصالح المنطقة ولت إلى غير رجعة، وأصبح هناك طريق واحد يؤول في النهاية إلى التماهي مع أحلام المحافظين الجدد في أميركا رغم أن البساط يتم سحبه الآن من تحت أقدامهم.

أليس من الحكمة أن تضع قمة دمشق الوشيكة خارطة طريق لكيفية التعامل مع أميركا بعد تغير إدارتها.. أم أن العربي استراح لفكرة أن يترك نفسه مع الموج يعلو به ويهبط، في انتظار قدر ينتشله من المحن التي يعيشها؟

فإذا كانت أقدار الأشخاص مكتوبة في علم الغيب فمن المؤكد أن أقدار الأمم يكتبها أبناؤنا بالعلم والتخطيط للمستقبل ومحاولة إحياء نقاط القوة ومعالجة مكامن الضعف، وأعجب من شعوب ترى الواقع رأي العين ومع ذلك تصدق الأكاذيب القادمة من وراء المحيط.

magdishendi@hotmail.com