لا يعد التحليق بعيداً عن السرب أو التفكير على غير المألوف أموراً منكرة تستوجب اللوم في كل الأحوال. فقبل مئة عام ونيف ذهب نجيب عازورى في توصيفه للصراع على أرض فلسطين وجوارها إلى ما لم يكن متداولاً في زمنه، عندما أشار إلى أن مصير المنطقة العربية سيكون مرهوناً بمستقبل الصدام بين الحركتين الصهيونية والعربية.
لا تظهر حكمة وألمعية صاحب هذه المداخلة فقط من أسبقيته الموفقة في تحديد «الطبيعة القومية» لهذا الصراع، وإنما أيضاً من تجاوزه للمعطيات والمنظورات المحيطة به عام 1905.
ذلك أن المفهوم القومي للصراع لم يكتسب كثيراً من الأنصار ربما إلي وقت اندلاع الحرب العالمية الثانية. إذ كان الطابع الغالب بين سواد العرب، دون استثناء الفلسطينيين، أن الصراع يتحرك على أرضية ومنطلقات دينية. وربما كان لعزل فلسطين إقليمياً، جغرافياً وسياسياً، بعيد الحرب العالمية الأولى تأثيره في نمو الوطنية الفلسطينية.
لكن التيار الوطني (القطري) ظل محدود الفعالية. الذي يفسر قلة التنظيرات التي أخذت بالفهم الوطني للصراع مع الصهيونية في تلك المرحلة. ولم تكن الدولة اليهودية حتى 1948 قد أعلنت بعد كي تبرز هذا الفهم الذي شاع لاحقاً تحت مسمى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
مؤدى ذلك أن المفهومين القومي والوطني للصراع مع الصهيونية ثم كيانها السياسي إسرائيل، ظلا حتى منتصف أربعينات القرن الماضي في حالة ضبابية. ولعلهما اقتصرا على مقاربات عدد قليل من المعنيين بتكييف ما يجري في فلسطين على الصعيدين الفلسطيني والعربي. ومن آيات غلبة المفهوم الديني بالمقابل انتساب رموز الحركة الوطنية الفلسطينية إليه.. فكان على رأسها سياسياً مفتي الديار ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج محمد أمين الحسيني.
وقاد أول تنظيم مسلح حقيقي ضد التحالف البريطاني الصهيوني شيخ معمم وإمام مسجد هو عزالدين القسام. وكان لقب «شيخ» يسبق معظم أسماء قادة المقاومة الميدانيين في ثورة 1936-1939. وحين أراد الجانب الفلسطيني مواجهة التكوينات والتحالفات العالمية للصهيونية، نظم مؤتمرات دولية تحت عناوين ونداءات دينية.. كالمؤتمرين الإسلاميين الأول والثاني عامي 1928و1931.
كما حاول هذا الجانب تأسيس جامعة تناظر الجامعة العبرية في القدس تحت شعار جامعة الأقصى، وسعي لتمويلها من مسلمي العالم. مهم جداً الإشارة هنا إلى خلو المنظور الديني للصراع فلسطينياً وعربياً وإسلامياً لتلك الحقبة وما تلاها من البعد العنصري أو الانطوائي. لقد كان المنظور حضارياً بامتياز.. بمعنى احتوائه على المكونين المسيحي واليهودي المتأصلين في المسار التاريخي الثقافي الفلسطيني وجوارها.
كيف لا وقد كان ثلث أعضاء اللجنة العربية العليا ممثلة الحركة الوطنية الفلسطينية (1936ـ 1946) والهيئة العربية الوريثة لها (1946ـ 1948) من القيادات المسيحية. وكان خطاب تلك الحركة ينادى بفلسطين دولة لكل مواطنيها «الأقحاح» من أبناء الديانات السماوية الثلاث على قدم المساواة. ولا حاجة للاستطراد إلى استمرارية هذين التقليدين، على المستويين الفكري والتنظيمي، في مسيرة هذه الحركة غداة النكبة.
فهذا أمر بات معلوماً بالضرورة لكل من يدرك مثلاً معنى وجود مناضلين مسيحيين على رأس فصيلين كبيرين داخل منظمة التحرير الفلسطينية لعشرات السنين، هما الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين. ويفترض أن يكون معلوماً بالضرورة أيضاً أن الأدبيات الصهيونية السياسية هي المصدر الأساسي لبروز ثم اندياح البعد الديني للصراع.
وذلك على الرغم من الرقائق والأغلفة العلمانية التي تكتسي بها محاولة منح الأولوية في مشروعها للبعدين الوطني والقومي. فالصهيونية لا تفرق بين اليهودية كديانة واليهود كعرق أو قومية. ثم إنها تربط عضوياً بين هذين البعدين وأرض فلسطين، أرض الوعد الإلهي..
وهذا مفهوم توراتي ديني بحت (حتى لو كان أسطورياً) منحها السمة العنصرية. إن التأكيد على «المزج» بين الدين والقومية وقطعة بعينها من الدنيا، هو المسؤول عن اختيار فلسطين لتأسيس الدولة اليهودية دون غيرها من المناطق التي كانت مرشحة لتطبيق المشروع الصهيوني. وكثيراً ما ردد ديفيد بن جوريون، العلماني عند البعض والملحد عند آخرين، انه «لا معني لليهودية بدون إسرائيل ولا معنى للقدس بدون الهيكل..».
إلى ذلك، فإن الصهيونية المسيحية غير اليهودية تنظر إلى إسرائيل وتناصرها استناداً إلى تفسيرات دينية، تتعلق بنبوءة عودة المسيح والألفية السعيدة.
ويصح الاعتقاد بأن تحدياً هذه نوعيته وهذا خطابه أنتج استجابة على غراره. ولم تكن هذه المتوالية أو المعادلة صعبة الاجتراح في بيئة فلسطينية وعربية وإسلامية قريبة عهد بالتعرف على المفهومين الوطني والقومي، بيئة كانت منغمسة بالمطلق تقريباً في السياق الديني لقرون ممتدة.
كاتب وأكاديمي فلسطيني