لا أخفيكم سراً بأن الغربة بدأت تدب وتسير في أوصالي مسرى الدم في العروق، لم أكن في يوم من الأيام أظن أن تلك الغربة التي تتصف بتلك الصفات القاسية ستتمكن مني ولكنها قد تمكنت في الفترة الأخيرة وأخذت لها تلة في القلب تشرف على باقي الهمسات والخواطر.
مناسبة حديثي المحزن المبكي المتحسر الضائع التائه المتخبط العشوائي، قولوا عنه ما شئتم وانعتوه بما شئتم من صفات التيه والحسرة هو ما حل بلغتنا الأم اللغة العربية، ما هذا الواقع المؤلم والشنيع الذي نحياه، صحيح أن الحديث حول هذا الموضوع ليس بجديد.
بل هو طرح متجدد لمجموعة من عقلاء هذا الوطن باتوا يستشعرون بخطره وتمكنه وباتوا ينادون بأعلى أصواتهم كيف للغة أجنبية تحل محل اللغة العربية الأم، لغة القرآن والسنة، لغة العقيدة والفقه.
لغة التاريخ والتراث، لغة الآباء والأجداد، لغة الهوية والحضارة، لغة التفكير والحديث، كيف لنا أن نرضى بتبديل جلودنا، كيف لنا أن نرضى بتشويه هويتنا، كيف لنا أن نرضى بازدواج شخصيتنا، كيف لنا أن نرضى ونرضى ونرضى!
سؤال مهم ومحوري ورئيسي ما هو الهدف الأساسي والرئيسي لاستبدال اللغة العربية باللغة الأجنبية، هل القوم قد ألموا بتفاصيل العربية اللغوية والصرفية والنحوية والتعبيرية وكتبوا علومهم وحفظوها ووثقوها حتى ينتقلوا لاستخدام لغة أجنبية! الإجابة بالطبع لا ولا ولا.
فالقوم ما زالوا لا يفقهون من أسرار اللغة وتاريخهم وجغرافيتهم وموروثهم الشفهي والمرئي والسمعي ما يؤهلهم للانتقال إلى لغة أخرى، فأنا مقتنعة أشد الاقتناع ومؤمنة بأن القوم لو كانوا قد ألموا بلغتهم وبعلومها وتاريخها لتمسكوا بها أشد التمسك ودافعوا عن حماها ضد كل مستعمر داخليا كان أم خارجيا.
أعتذر لكم قرائي الأعزاء، فقد نسيت سبب حديثي وأخذتني العزة بالحزن الشديد الذي انتابني أثناء زيارتي لأحد المراكز البحثية والذي يفترض بأنه معني بالدرجة الأولى بجمع و توثيق تاريخ دولة الإمارات من جميع المصادر التاريخية.
فهذا المركز العريق سواء بقدم فترة تأسيسه أو بأهمية الدور المناط به، قد أقر استخدام اللغة الإنجليزية في معظم برامجه وأنشطته الإعلامية والثقافية، وعندما تسأل لماذا هذه السياسة اللغوية في التحول من العربية إلى الأجنبية في مركز يفترض منه هو من يسعى للمحافظة على العربية وإقرارها كلغة رئيسية في جميع أنشطته.
يجاب بأن جزءاً كبيراً من الجمهور المتردد على هذه الأنشطة هم من الأجانب، ولو كان الجمهور أجنبي في معظمه فهذا ليس مبررا أبداً باستخدام اللغة الأجنبية، وإنما من المفترض إقرار اللغة العربية باعتبارها لغة الدولة والوطن والمواطنين الرسمية واستخدام تقنيات الترجمة المختلفة.
لم يكن الغربي يعنيه في يوم من الأيام تطوير منطقتنا ولا يهمه ذلك، فالغربي لا يتحرك إلا في نطاق مصالحه فقط، وما تمليه عليه الظروف الإقليمية والدولية، وفي الوجود البريطاني في المنطقة عبر القرون الطويلة التي مكثها لخير دليل على ذلك، فعلى الرغم من وجود بريطانيا منذ القرن الثامن عشر في المنطقة.
إلا إنها لم تلتفت لتوفير أدنى مسؤوليات المستعمر إزاء مستعمراته، على الأقل افتتاح مدرسة أو مستوصف أو رصف طريق أو حفر بئر، لم تلتفت للمنطقة إلا بعد الحرب العالمية الثانية أي بعد اكتشاف النفط الذي أصبح عصب الحياة الاقتصادية في أوروبا الصناعية فخشيت من المنافسة الإقليمية لمصالحها في المنطقة، فاهتمت بالمنطقة وجاء الاهتمام بالطبع سطحيا وبسيطا وقائما في الأساس على توفير الاحتياجات الأساسية للشركات النفطية.
فلولا هذه الشركات لن تفعل بريطانيا أي شيء يذكر في مجال التنمية، ولولا كذلك حركات المد القومي العربي التي انطلقت من مصر بعد ثورة يوليو عام 1952 وبعثات جامعة الدول العربية التي وفدت على المنطقة منذ عام 1963 حاملة معها برامج المساعدات المختلفة في مجال التعليم والصحة ورصف الطرق، لتنتشل المنطقة من الواقع المتخلف والكئيب الذي تعيشه، فلولا هذا المد القومي العروبي ولولا ظهور النفط ولولا إرادة حكام المنطقة المخلصين وأهلها لظلت المنطقة على ما هي عليه.
وعلى الرغم من أن هذا الموقف الذي أحزنني كثيرا وأثار لدي ما أثاره من حزن على واقع لغتنا وهويتنا، قد وقع قبل إصدار القرار السامي من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله باعتماد اللغة العربية كلغة رسمية في جميع المؤسسات والهيئات الاتحادية في كافة إمارات الدولة.
إلا أن بصدور القرار قد أثلج سموه صدورنا برد الاعتبار للغة العربية، ولكن لا بد أن يصاحب هذا القرار مشروع وطني يبدأ من الأسرة أولاً التي يجب أن تحرص على تعليم أبنائها باللغة العربية وتنشئتهم تنشئة وطنية صحيحة، فأكثر ما استغرب منه تهافت الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم باللغة الإنجليزية وحرصهم الشديد على اختيار المدرسة ذات المنهاج الغربي الصرف.
فالأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع إذا صلحت صلح المجتمع كله، كذلك يجب على جميع المؤسسات الحكومية ابتداء من المؤسسات التعليمية إقرار اللغة العربية كلغة رسمية وأساسية في المعاملات.
كما يجب على المؤسسات الثقافية إعادة الاعتبار للغة العربية فهي المعنية أكثر من غيرها بالحفاظ على اللغة وتفعيلها ونشر حملات توعية للمجتمع بأهمية اللغة العربية، فهذه المؤسسات هي المنابع الفكرية التي لا بد أن يشع نورها ليشمل جميع أطياف المجتمع، لا أن تعتمد على اللغة الإنجليزية كلغة أساسية كما يفعل كثير منها.
تحية لكم أيها الصامدون في وجه رياح الغربة العاتية التي تحاول جاهدة اقتلاعنا من أماكننا لتزرع أشباه بشر تتنازعهم ازدواج الهوية وتضاربها، أقولها والعبرات تلملم خيوط الغربة والحزن على ما أحل بنا، تحية لك أيها الكاتب الوطني الغيور على هويتك وحضارتك، تحية لكي أيتها الكاتبة الوطنية التي تنادي بأعلى صوتها خوفاً على لغتها وهويتها.
أخيراً يبقى صوت المجتمع وضميره ليعلن عن رأيه حول هذا الموضوع هل سيفعل من لغته أم انه سيمارس دور الغريب التائه المتخبط ؟
مركز زايد للتراث والتاريخ
