بكى جون ماكين المرشح للرئاسة الأميركية عن الحزب الجمهوري ضحايا اليهود في الحرب العالمية الثانية ووعد أن لا تتكرر المحرقة وأكد من الأردن أن القدس (إسرائيلية) وجدد التزامه بأمن إسرائيل وانتقد من أسماهم (المتطرفين والإرهابيين) العرب الذين يشكلون خطراً على الدولة العبرية.

وبدورها أكدت هيلاري كلينتون خلال حملتها الانتخابية صداقتها لإسرائيل والتزامها بأمنها ومثلها فعل المرشح الآخر باراك أوباما، وها نحن نراهم يتسابقون على دعم إسرائيل وتأكيد التحالف الاستراتيجي معها، ويتجاهلون حقوق العرب والفلسطينيين ويتناسون جرائم إسرائيل التي تشبه إلى حد كبير جرائم النازية في النصف الأول من القرن الماضي.

أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فقد افتتحت خطابها في الكنيست الإسرائيلي مشددة على أن بلادها (لن تتخلى أبداً عن إسرائيل وستبقى شريكتها وصديقتها الحقيقية)، وأكدت التزامها بالمسؤولية الخاصة التي تتحملها حيال أمن إسرائيل غير القابل للتفاوض.

وقالت إنها مقتنعة تماماً بأنه إذا كرست ألمانيا نفسها من أجل مسؤوليتها الخالدة عن الكارثة الأخلاقية التي وقعت في التاريخ الألماني، فإننا عند ذلك فقط نستطيع أن نبني المستقبل بطريقة إنسانية، وكانت قد افتتحت زيارتها بالتصريح أن أمن إسرائيل وأمن ألمانيا كل لا يتجزأ.

لقد تعودنا على تصريحات القادة الأوروبيين والأميركيين الممالئة لإسرائيل والمتجاهلة للحقوق العربية، وغالباً ما يقدم أي سياسي أوروبي أو أميركي نفسه لناخبيه أو شعبه بتأكيد دعمه المطلق لإسرائيل على حساب مآسي البلدان العربية سواء كانت إسرائيل سببها أم البلدان الغربية.

ويذيل السياسيون الغربيون تصريحاتهم عادة بالمطالبة بإقامة دولتين هما دولة إسرائيل ودولة الفلسطينيين ليظهروا حياديتهم وعدلهم وشعورهم بالمسؤولية وليتفادوا النقد من شعوبهم وشعوبنا، دون أن يصفوا لنا الدولة الفلسطينية التي يدعون لها وكيف تمتلك إمكانيات العيش، وهل هي أراض مقطعة بالطرق الالتفافية مزروعة بالمستوطنات فاقدة السيادة البحرية والجوية.

مفتوحة الحدود أمام التدخل الإسرائيلي المباشر وغير المباشر، محرومة من القدس رمز فلسطين ورمز القضية، حيث لا تنطبق تسمية دولة عليها، ولا حتى صفة المستعمرة ذات الحكم الذاتي أم يرونها غير ذلك؟ ولعل هذا الشعار (أي إقامة الدولتين) كان مخرجاً مناسباً للنفاق الأوروبي والأميركي يخلص نظرياً سياسيي البلدان الغربية من الحرج ومن المواقف المتحيزة ويتيح لهم مزيداً من التدليس والنفاق.

أن يلتزم جون ماكين وأنجيلا ميركل والرئيس بوش ونائبه تشيني ومسؤولون أوروبيون آخرون بأمن إسرائيل وأن يبكوا موتى اليهود فهذا شأنهم وهذه مواقفهم، أما نحن فيحق لنا بدورنا أن نتساءل أليسوا هم الذين قتلوا اليهود وعملوا على أن ندفع لهم التعويض عن قتلهم من أرضنا ولحمنا وتاريخنا .

وعلى حساب تطور بلداننا واستقلالها وسيادتها وحرية شعوبها ودورها التاريخي في بناء الحضارة الإنسانية؟ ثم ألا توخزهم ضمائرهم بأنهم تسببوا بقتل مليون عراقي خلال خمس سنوات، فضلاً عن قيام إسرائيل بقتل عشرات الألوف من الفلسطينيين والمصريين واللبنانيين والسوريين والعرب الآخرين؟

وهل استهانوا بمشاعرنا وعقولنا وتاريخنا إلى الدرجة التي أعمتهم عن كل ما جرى ويجري في منطقتنا طوال القرن الماضي وحتى أيامنا هذه، والخسائر البشرية والاقتصادية وغيرها التي سببوها لنا بسياساتهم العدوانية وتجاهلهم حقوقنا، وها نحن نراهم يؤكدون على دعم الجلاد والاستهانة بالضحية دون أن تهتز لهم شعرة أو تؤرقهم وخزة ضمير؟

هل خطر للسيدة المستشارة ميركل أنه لولا جرائم النازية لما قامت دولة إسرائيل على أرضنا، ولولا التعويضات الألمانية التي بقيت ألمانيا تدفعها طوال عشرين عاماً للدولة الإسرائيلية لما استطاعت هذه أن تتسلح وتقوم بعدوان يونيو 1967 ولولا السلاح الفرنسي ثم الأميركي شبه المجاني المقدم لإسرائيل لما هدمت بيوتنا وقتلت شعبنا .

واحتلت أرضنا ومازال اللاجئون الفلسطينيون هم الأكثر عدداً والأطول مدة لجوء بين كل لاجئي العالم. وبالتالي فإن كان الشعب الألماني يشعر بالمسؤولية الأخلاقية تجاه اليهود فإننا نحن من دفع ثمن هذه المسؤولية، وإذا كانت النازية أحرقت يهوداً فلماذا تتقاضى إسرائيل التعويضات عنهم، وهل هذا اعتراف من الدول الغربية بأن إسرائيل هي دولة اليهود؟

أن يبكي السياسيون الغربيون في ذكرى (المحرقة) فهذا شأنهم ورأيهم، ولكن يحق لنا أن نتساءل أليس من الأولى أن يبكوا موتانا الذين كانوا هم سبب موتهم وسلب أرضنا بدعمهم لعدونا وتشريد الشعب الفلسطيني في كل بقاع الأرض، ونحن على أية حال لا نطالبهم ببكاء موتانا وإنما برؤية الوحشية التي يتعاملون معنا بها.

وببعض المواقف المسؤولة تجاه جرائمهم التي ارتكبوها في بلادنا، والعبث بمقدساتنا وعلى رأسها إنكار حقوقنا في القدس، والأنكى أن السيد جون ماكين يؤكد أن القدس إسرائيلية وهو ضيف على الأردن التي كانت القدس جزءا ضمن أراضيها، وقد تجاوز بموقفه هذا حتى موقف قسم كبير من الإسرائيليين أنفسهم.

ثم بكى موتاهم، وكان الأجدر به أن يبكي مليون قتيل عراقي قتلوا بسبب الاحتلال وآلاف الفلسطينيين الذين يبيدهم الجيش الإسرائيلي يومياً. والذي لم يتورع أن يقصف طفلاً بصاروخ، فهل هناك همجية أكبر من هذه؟

حبذا لو يتذكر الساسة الغربيون شعارات المساواة والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والسلم العالمي قبل أن يطلقوا تصريحاتهم على عواهنها، وحبذا لو بكى جون ماكين مئات الألوف الذين قتلهم الجيش الأميركي في اليابان بالقنبلة الذرية وفي فيتنام بهمجية غير معهودة وفي العراق بخفة ولا مسؤولية من شأن أي دولة أن تخجل معها من مثل هذه الارتكابات.

على أية حال، لابد أن يأتي وقت نبكي فيه موتانا أم يعتقدون أن العربي لا بكاء عليه؟

كاتب سوري