يصادف يوم غد الثاني والعشرون من مارس مناسبة عالمية هامة جداً ابتدعتها وتبنتها الأمم المتحدة، إلا أن أغلب الناس غير مطلعين عليها وذلك لأنها لا تتعلق بالصراعات السياسية بين هذه الدولة وتلك ولا بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي التي تدين هذه وتنتصر لتلك، وإنما هي مناسبة اقترحتها أعلى هيئة دولية في العالم وهي الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم عادة ممثلين عن جميع دول العالم وتخلو أجواء انعقادها من هيمنة الفيتو الذي احتكرته لنفسها بضع دول في العالم.
ففي الاجتماع الذي عقدته هذه المنظمة في الثاني والعشرين من ديسمبر عام 1992 اتخذت قراراً هاماً يحمل الرقم (47 / 193) باعتبار الثاني والعشرين من مارس من كل عام يوماً عالمياً للمياه وذلك لما للماء من أهمية قصوى لديمومة حياة جميع الكائنات الحية ولما له من أهمية حاسمة في عمليات التنمية في جميع بقاع الأرض.
وقد قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يدخل هذا القرار حيز التنفيذ ابتداء من مارس عام 1993، وذلك في ضوء توصية المؤتمر الذي نظمته الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية الذي عقد في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية.
كان هذا القرار واحداً من أبرز المقاربات الإيجابية التي يضمها سجل الأمم المتحدة لمعالجة مشاكل العالم، وهو مدخل لا مفر من الولوج فيه لتحقيق أحد أهم أحلام البشرية وهو التخلص من القلق حول المستقبل.
فهنالك حاجة ماسة لمعالجة المصائب التي تنجم عن الخلل في التوزيع الطبيعي للمياه الصالحة للاستهلاك، ففي الوقت الذي تجتاح مناطق من العالم موجات الجفاف المدمرة تجتاح مناطق أخرى سيولاً وفيضانات مدمرة أيضاً.
إلا أن المنظمة الدولية قد أولت اهتماماً خاصاً للناحية الأولى بسبب حجم الخسائر المترتبة عليها، فهنالك ما يزيد على المليار شخص في العالم، معظمهم في أفريقيا، ليس لديهم الوسائل للحصول على المياه الصالحة للاستهلاك.
هذا ما ورد في التقرير الذي اشترك في إعداده أربع وعشرون وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، وقد ورد في التقرير نفسه بأن عدد الذين يتوفون في اليوم الواحد بسبب شحة المياه الصالحة للاستهلاك يبلغ 25000 شخص، يمكن إنقاذ نصفهم لو توافرت المصادر النظيفة لمياه الشرب وتوافر ما يكفي من الخدمات الصحية الأساسية.
وفي وقت لاحق أعلنت الأمم المتحدة بأن العشر السنوات الواقعة بين عامي 2005 و2015 ستكون بمثابة عقد خاص من السنين للعمل على تحقيق هدف هام على المستوى العالمي وهو تقليص عدد الذين لا يحصلون على المياه النظيفة في العالم إلى النصف.
وفي خلال ذلك فإن الأمم المتحدة قد عمدت إلى وضع برامج تربوية خاصة تنسجم مع أهداف هذا البرنامج الطموح الذي يتوجه بجهوده بالدرجة الرئيسية نحو الدول الفقيرة خاصة في القارة الأفريقية، القارة التي تشهد أكثر من غيرها موجات الجفاف.
شحة المياه هي أحد أخطر المشاكل التي تواجه العالم الذي يزداد حاجته إليها بسبب زيادة عدد السكان وزيادة معدلات الاستهلاك للفرد الواحد واتساع خطط التنمية التي تستهلك المزيد من المياه في الزراعة والصناعة وبسبب تلوث الكثير من مصادر المياه العذبة جراء الأنشطة غير المسؤولة التي يقوم بها أفراد أو شركات أو دول مما يتطلب فعلاً أن تولي جميع دول العالم أهمية خاصة نحو هذه الناحية.
إن قرار الأمم المتحدة المشار إليه ليس أداة سحرية لحل مشكلة بهذا الحجم، فهذه المنظمة لا تستطيع أن تجعل من هذا القرار وسيلة لحل هذه المشكلة نهائياً أو لتقليل حجم المتضررين بسببها ما لم تتضافر جهود كثيفة، دولاً وشعوباً وأفراداً، لتحقيق ذلك من خلال اتخاذ إجراءات مدروسة ومنظمة تتناسب مع طبيعة البلد وموقعه الجغرافي ومستوى القدرات العلمية والتكنولوجية المتوافرة فيه أو التي يستطيع الحصول عليها. ومن أبرز الإجراءات التي تخدم في هذا الغرض:
1ـ احترام القوانين الدولية التي تنص على حقوق الدول في مياه الأنهار التي تمر خلال أراضيها بغض النظر عن منبع هذه الأنهار. وهذا في الحقيقة لا يساعد فقط على تلبية حاجة الدول من المياه فحسب وإنما يساعد على ضمان الاستقرار والأمن، فبغير ذلك قد تنطلق نزاعات وحروب حول الحق في المياه.
2ـ الالتزام بالقوانين الدولية والإقليمية والمحلية التي تتعلق بالحفاظ على البيئة ومنع استخدام المواد أو التقنيات التي تساعد على تلوث مياه الأنهار والبحيرات.
3ـ وضع لوائح على المستوى المحلي تساعد على تحقيق أفضل وأرشد استخدام للمياه في ضوء توصيات الهيئات الدولية وبما يتناسب مع الطبيعة المحلية.
4ـ تخصيص ميزانية للبحث العلمي لتطوير تقنيات ترشيد استخدام المياه واستحداث طرائق جديدة لتحلية المياه المالحة بكلفة اقتصادية مناسبة.
5ـ نشر ثقافة الحفاظ على البيئة في المجتمعات وجعل البيئة والحاجة إلى حفظ المياه والعناية في استخدامها من المواد التربوية التي تدرس في المدارس.
6ـ تعميم أساليب ري المزروعات التي توفر المياه وتقلل من تبخرها، فمعظم المياه التي تستهلك يذهب عادة لأغراض الزراعة.
7ـ استحداث طرائق غير معقدة تكنولوجياً لتحلية المياه تناسب بيئة وطبيعة البلدان الأفريقية الفقيرة.
8ـ إيجاد وسائل عملية لجمع مياه الأمطار في مكامن طبيعية يسهل حمايتها ووضعها تحت سيطرة الجهات المسؤولة.
9ـ إجراء الدراسات بغية التوصل إلى طرائق ذات جدوى اقتصادية تجعل عشرات الآلاف من الجبال الجليدية المتوافرة في المناطق القريبة من القطبين الشمالي والجنوبي، وهي مياه عذبة، في متناول الدول القريبة منها أو القريبة من مساراتها التي تُرصد عادة بالأقمار الاصطناعية.
10ـ إجراء البحوث الكفيلة بجعل عملية جمع بخار الماء الموجود في الجو مجدية اقتصادياً، خاصة في المناطق الصحراوية، فهنالك ما يفيد بأن كمية المياه المحمولة في الهواء، في أي وقت من الأوقات، تبلغ 13 كيلومتراً مكعباً تقريباً.
لأجل تحقيق البعض مما أوردناه لا بد أن يجري الاهتمام بهذه المناسبة السنوية أولاً ومنحها ما تستحق من الاهتمام على مختلف المستويات خاصة لدى الدول العربية التي يشكو أغلبها من شحة المياه الطبيعية.
كاتب عراقي