في منتصف السبعينات تقدمت باحثة في إحدى الجامعات المصرية برسالة ماجستير عنوانها «الرأي العام على جدران الحمامات العامة»، وفي رسالتها جمعت الباحثة المئات من التعليقات والكتابات التي يكتبها الناس على جدران الحمامات العامة الموجودة في أماكن التجمعات مثل الجامعات والمدارس والسينمات والمسارح وجدران الحمامات العمومية في الشوارع والمؤسسات الحكومية التي تتعامل مع الجمهور مثل المحاكم ومجمعات الخدمات العامة، وتناولت الباحثة هذه الظاهرة باعتبارها شكلا من أشكال التعبير عن الرأي بحرية تامة.

ومن الملاحظ أن ظاهرة الكتابة على جدران وأبواب الحمامات العامة قد تراجعت ولم تعد منتشرة مثل ذي قبل، هذا رغم زيادة أعداد المتعاملين مع الحمامات العامة لقضاء حاجتهم، وأيضاً رغم المشاكل الكثيرة في المجتمع وزيادة قمع الحريات، وربما يعزو هذا إلى ظهور قنوات جديدة وكثيرة للتعبير عن الرأي بشكل آمن لا يعرض صاحب الرأي للرقابة والمساءلة.

من أساليب التعبير عن الرأي الحديثة والتي تشبه إلى حد كبير تعليقات الحمامات تعليقات القراء على المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت، حيث يستطيع القارئ لأي موضوع على أي موقع أن يعلق على الموضوع في الجزء السفلي تحت عنوان تعليقات القراء، ويتمتع صاحب التعليق بحرية تامة في كتابة أي شيء دون أن يراه أحد ودون حاجة لكتابة اسمه الحقيقي، وإن كان للموقع نفسه الحق في نشر التعليق أو استبعاده ولكنه حتما سيقرؤه، ولا شك أن كتابة التعليق هنا أسهل بكثير من الكتابة على جدران الحمامات العمومية التي يدخلها المرء فقط من أجل قضاء حاجته.

وقد انتشرت هذه الظاهرة على غالبية المواقع الإلكترونية على جميع المواضيع من مقالات رأي أو منوعات أو أخبار.

أعتقد أن انتشار ظاهرة التعليقات على المواقع الإلكترونية يحتاج لدراسات وأبحاث كثيرة، ولن تحتاج هذه الدراسات لجهد كبير مثل الدراسة التي قامت بها الباحثة المصرية عن تعليقات الحمامات العمومية والتي من المؤكد أنها استعانت فيها بأصدقاء لها لدخول الحمامات لجمع التعليقات.

لكن الحقيقة أن تعليقات قراء المواقع الإلكترونية لا يمكن التعامل معها على أنها تعبير عن حرية الرأي أو أنها تمثل توجهات الرأي العام، بل انها في الغالب تعبر عن توجهات الموقع الإلكتروني نفسه، وذلك ليس فقط بسبب رقابة الموقع على التعليق وإمكانية استبعاده أو تعديله، بل أيضاً لأن هذه التعليقات أصبحت تستخدم من قبل الموقع أو من قبل أفراد وجهات للترويج والدعاية لجهات أو أفراد معينين، ولو أخذنا مثالا مقالات الكتاب على المواقع الإلكترونية، نجد مقالا لكاتب معين يعكس توجهات الموقع تأتي عليه تعليقات كثيرة وكلها أو معظمها إيجابية لدرجة المديح للمقال ولشخص الكاتب نفسه، الأمر الذي يجعل القارئ للتعليقات يعتقد أن كاتبها هو نفسه كاتب المقال أو صديق له،

وقد جربت بنفسي كثيرا أن أضيف تعليق سلبي على مقال كاتب معين زيل مقاله بتعليقات المديح والثناء، وكنت ألاحظ أن تعليقاتي التي يخبرني الموقع باستلامها لا تنشر، وحتى لو مرر الموقع تعليق أو اثنين سلبيين فإنه ينتقي تعليقات ضعيفة لا قيمة لها وسط عشرات التعليقات الإيجابية، هذا رغم أن المواقع الإلكترونية تدعي حرية الرأي والليبرالية وتبني الرأي والرأي الآخر.

أيضاً هناك بعض المواقع الصحفية العربية الإلكترونية تسعى للترويج لظاهرة معينة مثل الإلحاد أو الشذوذ الجنسي، أو الترويج لسياسات معينة مرفوضة من غالبية الشعوب العربية مثل سياسات التطبيع مع إسرائيل وسياسات الإرهاب واتهام المسلمين والعرب به، وعندما يكون هناك موضوع على الموقع حول هذه السياسات سواء مقال رأي أو حدث، نجد التعليقات الكثيرة التي تمدح بينما التعليقات الرافضة والمنتقدة تكون نادرة وضعيفة.

أحد المواقع نشر مقال لكاتب حول أحداث غزة الماضية يتهم فيه حركة حماس بالمسؤولية عن الضحايا من الأطفال والنساء الذين قتلتهم الغارات الإسرائيلية، وإن كان هذا رأي الكاتب ويتحمل مسؤوليته، إلا أن الملفت للنظر أن التعليقات على المقال كانت جميعها إيجابية مؤيدة لرأي الكاتب وهو أمر غير معقول ولا منطقي أن لا يوجد تعليق واحد يدين إسرائيل، وعندما كتبت أنا تعليقا سلبيا ينتقد الكاتب ويدين إسرائيل لم ينشر تعليقي.

لقد تعمدت كثيرا أن أكتب تعليقات مناقضة تنتقد الكاتب أو تخالف التعليقات الموجودة على المقال، ولكن كانت تعليقاتي تُستبعد تماما رغم التزامي بالموضوعية والعلمية والابتعاد عن الألفاظ الغير مهذبة.

أعتقد أن تعليقات القراء على الصحافة الإلكترونية بالأسلوب الذي تتم به الآن، واستخدامها كأداة للترويج لأشخاص أو جهات أو أفكار معينة يشكل عيبا كبيرا في الصحافة الإلكترونية التي مازالت تكافح حتى الآن من أجل البقاء وليس من أجل التفوق والتميز على الصحافة المقروءة، ولا أعتقد حتى أن هذا الشكل من التعليقات سيرقى لمستوى التعليقات على جدران الحمامات العامة التي لا تخضع لرقيب يغيرها أو يستبعدها ولا تستخدم للترويج لأحد أو لأفكار سلبية أو دخيلة على مجتمعاتنا العربية.

elmoghazy@hotmail.com