في مثل هذا اليوم المبارك أشرقت شمس التسامح من مكة في قلب الجزيرة العربية ليشعّ نورها في أرجاء العالم كافة، حيث انتشر الدين الإسلامي الذي يحثّ على الأخوة الإنسانية، والتسامح، واحترام الآخرين بكل أديانهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم، طالما أن تلك الحرية الدينية والفكرية لا تتجاوز الخطوط الحمراء التي تبدأ بعدها في المساس بمعتقدات الآخرين.
لقد اختلط العرب المسلمون، والمسلمون من غير العرب، منذ بواكير الفتوحات الإسلامية بغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى المختلفة، وجاوروهم، واحتكّوا معهم في مختلف تفاصيل الحياة اليومية، دون أن تُثار بينهم العداوة والبغضاء، وكان أصحاب كل ديانة يحترمون أصحاب الديانات الأخرى، ولا يزال الوضع كما هو على ما أظن ـ في كثير من الدول العربية المسلمة.
وفي الوقت الذي يتشدق فيه الغرب بمفاهيم يعرفها بعضهم جيدا -نظريا وعمليا ـ ولا يعرفها بعضهم إلا بالأسماء فقط، من مثل: الحرية، والتسامح، والإخاء، واحترام الآخر، وغيرها، نجد أن خرق تلك المفاهيم التي أصبحت بديهية، وتجاوز الخطوط الحمراء التي يعرفها الصغار قبل الكبار، يأتي من جهة الغرب، ذلك الغول المتشدق بتحضره وتفوقه علينا، ونجد أن الإساءة إلى الرموز الدينية تصدر عنهم، تحت غطاء حرية الرأي.
بدأ الأمر قبل عدة سنوات، حين أسييء إلى رسولنا الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الصحف الدنماركية، من خلال الرسوم الكاريكاتيرية، ثم تناقلت عدة صحف أجنبية ـ وعربية للأسف ـ تلك الرسومات، تحت الغطاء نفسه، حرية الرأي والتعبير، دون أدنى اهتمام بمشاعر المسلمين المنتشرين على امتداد خارطة الكرة الأرضية.
ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن بعضهم نظّم مسابقة تصبّ في النهاية في فكرة الاستهزاء بالرموز الدينية المسيحية، وهو ما أثار حفيظة إخواننا المسيحيين حينها.
لن نتكلم على هذا الموضوع لأن ما قلناه وما قاله غيرنا كثير جدا، ولا حاجة لتكراره، وكثير مما يُقال فيه معروف أساسا، لكنه يُقال من باب التذكير، لكنني سأتوقف عند أمرين مهمين، يرتبط أحدهما بالآخر، وهما يتعلقان بردود فعلنا تجاه هذا الذي يحدث من استخفاف بمشاعرنا واستهزاء بديننا وعقيدتنا، من خلال الإساءة إلى أهم شخصية دينية عندنا، وهو الرسول الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ. سأتوقف عند ما أرى أنه يجب علينا فعله، ولكننا لا نفعله -أو لا يفعله كثيرون منا ـ، وعند ما أراه غير ضروري، وليس هو ما يجب أن نشغل أنفسنا به، ولكننا مع ذلك نقوم به بكل حماس واندفاع.
الجزء الأول يتعلق بوجود المنتجات الدنماركية على رفوف المحلات والجمعيات التعاونية ومراكز التسوق مثلها مثل أي منتج لأي دولة أخرى لم تتطاول علينا وعلى ديننا وعلى رسولنا الكريم. الذي أستغرب منه هو أننا في المرة الأولى وجدنا هذه المحلات قد تفاعلت مع ردود الفعل الجماهيرية الغاضبة، ومنعت عرض المنتجات الدنماركية على رفوفها، ووضعت اللوحات التي تبين أن الأماكن الفارغة في البرادات وغيرها هي أماكن لمنتجات دنماركية ممنوعة بسبب الإساءة. وقد قاطع كثيرون تلك البضائع والمنتجات التي لن تزيدنا صحة إن تناولناها، ولن نخسر شيئا من صحتنا إن لم نتناولها.
هل كان تصرف المحلات والجمعيات التعاونية في أول مرة من باب الدعاية التي تسمح لهم بأن يضحوا بكمية من تلك المنتجات كشكل من أشكال التسويق والترويج للمحل أو الجمعية، لكن تكرار الإساءة لم يسمح لهم بتكرار ذلك الفعل -التسويقي الترويجي ـ لأنه قد يكبدهم خسائر هم في غنى عنها، أو أنهم وجدوا أن الغضب الشعبي قد خفّ، فلا حاجة لأن يكونوا هم رواد حملة جديدة؟
صراحة لم أتمكن من فهم أسباب وجود هذه المنتجات، ولماذا يجب علينا أن نراها كلما ذهبنا لنتبضّع أغراض البيت؟ كما أنني لم أستوعب كيف يمكن أن يمدّ شخص عربي مسلم يده ويتناول منتجا دنماركيا على الرغم من توافر البدائل الكثيرة، منها المحلية، ومنها الخليجية، وغيرها من الدول الأخرى.
ربما آثر البعض الاستمرار في شراء المنتجات الدنماركية، لأنه يظن أنه يقوم بشيء آخر لنصرة رسوله، وهو إرسال الرسائل النصية، التي تروج لبعض المواقع الإلكترونية، بحجة نصرة رسول الله، وتوزيعها على أكبر عدد ممكن من الناس، وهو الجانب الآخر الذي أرى أن جمعا من الناس انساق إليه، في غفلة منه، ظنا منه أنه يخدم نبيه الكريم -عليه صلاة الله وسلامه ـ، لكنه في الواقع لا يخدم سوى جهات معينة تستفيد ماديا من مثل هذه الرسائل.
من عينة تلك الرسائل رسالة تقول: القرآن ممنوع في هولندا، والمسلمون يرفعون شكوى، والحكومة تصدر تصويتا في أحد مواقع الإنترنت، وللأسف الانتصار إلى الآن بنسبة 60% لمنع القرآن، و40% لعدم المنع. لا تخذل كتاب الله، صوّت يا مسلم للقرآن، وساعد على نشرها لنصرة الإسلام والقرآن الكريم.. انشر تؤجر.. ثم يوضع الرابط الإلكتروني
مع العلم بأن هذه الرسائل تظهر بين حين وآخر وتختفي، دون أن يتغير في نصها ومضمونها أي شيء على نحو جوهري، إلا اختلافات بسيطة أحيانا في النسب، ومع ذلك فهي لا تثير شكوك بعض المتحمسين، الذين يبادرون بإرسالها إلى أكبر عدد من معارفهم وأصدقائهم، وقد يبلغ الأمر بالبعض بأن يرسلوها إلى أرقام لا يعرفونها، يؤلفونها في لحظتها، لضمان إرسال الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وبالتالي لضمان نصرة القرآن الكريم، أو الرسول عليه الصلاة والسلام.
وأتساءل، هل تكون نصرة الرسول الكريم بهذه الطريقة؟ وهل تنتظر الحكومة الهولندية أو غيرها نتائج تصويت إلكتروني كي تسمح للمسلمين بأداء شعائر دينهم أو لا تسمح؟
إن المضحك في بعض هذه الرسائل أن المواقع تكون بلغة لا يعرفها الأغلبية منا، كالهولندية مثلا أو غيرها، وتأتي الرسالة ـ التي لا نعرف مصدرها أساسا ـ لتقول انقر على كلمة كذا لأن معناها نعم، ويذهب الكثيرون للتصويت في الموقع ويختارون الكلمة التي قيل لهم إن معناها نعم، مع أنهم لا يعرفون إن كان هذا هو معناها بالفعل، أو أنها تعني شيئا آخر معاكسا، مفترضين حسن النية في المرسل الذي لا يعرفونه، لأن مرسل الرسالة ليس هو الشخص الذي نقلها لهم مباشرة، وقد يكون أخا أو صديقا أو زميل عمل، بل هو شخص آخر غير معروف، ونيته أيضا غير معروفة.
لن أتوقف عند نماذج أخرى من هذه الرسائل التي نعرفها جميعا، لأننا جميعا شعرنا بالحماس تجاهها في البداية، لكن بعد ذلك يستطيع أي عاقل أن يكتشف أنها ليست سوى استخفاف بعقولنا ولا هدف منها سوى الربح المادي الذي سيعود على إحدى الجهات المستفيدة على حساب المتحمسين والمندفعين منا.
نصرة الرسول الكريم ـ عليه السلام ـ لن تكون بالرسائل، ولا بالمهرجانات، ولن تكون كذلك بالمقاطعة الاقتصادية، لكن هذه الأخيرة قد تكون سلاحا ناجعا ومؤلما بالنسبة لهم، ويهمني هنا أن أشيد بموقف دولة الإمارات المتمثل في استدعاء معالي الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية لسفير مملكة الدنمارك غير المقيم، وتسليمه مذكرة احتجاج تستنكر فيه دولة الإمارات العربية المتحدة موقف مملكة الدنمارك من إعادة نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للإسلام ولشخصية الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم.
ونرجو أن يكون هذا الموقف الرسمي محركا لموقف شعبي يسير بالتوازي معه، يعلن بصمت رفضه واستنكاره لتلك الإساءات، ويرفض بأسلوب حضاري المساس بشخصية رسولنا، عبر الامتناع عن شراء منتجات هذه الدولة حتى تعود إلى رشدها، وكل عام وجميع المسلمين بخير في هذا اليوم المبارك.
جامعة الإمارات