أصبح انتشار ثقافة المدونة مثل النار في الهشيم فأنت تصادف كل يوم وخلال تصفحك للانترنت كثيراً من المواقع التي تعنى بهذا الشكل الأدبي الذي يخرج عن النمط المألوف في حفظ فعل الكتابة من بين دفتي الصحف أو الكتب، ويعبر في الوقت نفسه عن تعطش كبير لدى كثير من الناس الذين يتوقون إلى التواصل فكريا مع بعضهم البعض واستعراض كثير من الهواجس التي تتداخل بشكل أو بآخر مع القارئ.

ولعل هذا الفن الكتابي الجديد في عالم الانترنت له أصول وتاريخ وبخاصة لدى العرب فقد عرفت المعلقات الشعرية في أيام الجاهلية بأنها من أهم المدونات التي اشتهرت بجزالتها ورصانتها ودونت تاريخ المكان والزمان وحفظت المفردات اللغوية من الاندثار، أما علم الاجتماع فينظر إلى التدوين باعتباره وسيلة نشر عامة أدت إلى زيادة دور الانترنت باعتبارها وسيلة للتعبير والتواصل أكثر من أي وقت مضى.

بالإضافة إلى كونه وسيلة للنشر والدعاية والترويج للمشروعات والحملات المختلفة، وهي وسيلة رائعة للتواصل بين فريق العمل أو أفراد العائلة وحتى أفراد الشركة الواحدة فهي تساعد المجموعات الصغيرة على التواصل بطريقة ابسط وأسهل من البريد الإلكتروني أو حتى المنتديات فالمدونة تساعد على إبقاء الجميع على اطلاع، كما تساعد على نشر ثقافة المجموعة وإتاحة الفرصة للجميع لإبداء رأيهم في أمر ما.

وأرجع بعض الباحثين أسباب عودة الحياة للمدونات في المنطقة العربية إلى العديد من الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ولعل الباحث القاضي عبدالفتاح مراد يعد من بين القلائل الذين تناولوا موضوع «المدونات» بالبحث والتنقيب والتطرق إلى أصولها التاريخية والعلمية والقانونية.

وأفرد كثير من صفحات كتابة «الأصول العلمية والقانونية للمدونات على شبكة الانترنت» لتناول كل موضوع من هذه الموضوعات بالشرح والتفصيل ولعل فرادة دراسته تعود إلى تركيزه على الأصول القانونية، وتحديدا المسؤولية القانونية المترتبة على مخالفة المدون للقوانين مبينا المسؤولية الجنائية المترتبة على مخالفة المدون للقوانين من حيث أحوال هذه المسؤولية ضاربا لذلك أمثلة للجرائم التي قد يسأل عنها المدون، وكيفية مواجهة تلك الجرائم.

وما هو القانون واجب التطبيق، كما تناول المسؤولية المدنية المترتبة على مخالفة المدون للقوانين، أعقبها بالمسؤولية التأديبية المترتبة على مخالفة المدون للقوانين خاصة فيما ما يرتكبه الموظفون ويعرضهم للمساءلة التأديبية، كما وضح الباحث دور الكمبيوتر والإنترنت والمدونات في مجال ارتكاب الجريمة وطرق مكافحتها.

ثم تناول فئات الجناة في هذه الجرائم مناديا بضرورة الحماية القانونية في إطار السلطة القضائية في مكافحتها أسوة بالحماية القانونية التي استحدثتها القوانين الأنجلوأميركية بشأن جرائم المدونات والكمبيوتر والانترنت، محذرا ألا تخالف المدونة لقانون العقوبات والتشريعات الجنائية الخاصة.

وبخاصة المواد المنظمة لجرائم القذف والسب وإفشاء الأسرار وجرائم النشر في الصحف وغيرها في قانون العقوبات، ولاسيما القانون المصري، والتي يتم ارتكابها بطريق المدونات، كما اشترط المؤلف عدم مخالفة المدونة لقوانين البث على شبكة الانترنت والقوانين الدولية.

ولعل أهم ما يميز المدونات هو جانبها الشخصي البحت لذلك قد نقرأ كثيراً من المدونات التي أفرزت بسبب تراكم التجربة أدباء وشعراء وكتّاب خرجوا عن صمتهم ليلتقوا بقرائهم في ميدان أكثر رحابة يمكن القول إنه عابر للقارات، مما حدا ببعض دور النشر إلى تبنيهم ونشر مدوناتهم .

وهذا ما حصل مع بعض الأديبات المصريات الناشئات حيث وجدوا العناية من إحدى دور النشر التي تبنّت مدوناتهم وحققت مشروعهم الأدبي من خلال إصدارهم الأول، مما يضعهم أمام مسؤولية كبيرة تحتم عليهم الاعتناء بما يدون بعيدا عن مراهقة الكتابة الوجدانية التي تغلّف بعض المدونات بشرانق ذات خصوصية عالية قد تفقدهم التواصل والشفافية.

وإذا كانت المدونات هي فعل التمرد المشروع الذي يحقق متنفساً لإبداء الرأي المعاكس غير النافذ في المجتمع إما احتجاجا أو نقدا أو تقديم تلك الموضوعات المهمشة وبث الروح فيها لتنال الاهتمام الواجب إلى جانب أن البعض ساهم من خلال مدوناته في إجلاء الحقيقة المغيبة عن بعض الأحداث التي حاصرتها الرقابة.

مما يحتم على المدوّن الاطلاع على الأخلاقيات الواجبة لصناعة التدوين وأهمها كما أوردها الباحث عبدالفتاح مراد في كتابه التزامهم بالحقائق مع حفظ حقوقهم في التعليق عليها، إضافة إلى التزامهم بأصول التوثيق العلمي في تحرير المدونات، وكذلك الالتزام بالتوثيق العلمي الأمين، والإشارة صراحة للتعريف بحقيقة المصادر غير المحايدة والمغرضة والمثيرة للشكوك.

واختلاف المدونات يعود إلى طبيعة ثقافة وفكر واهتمام المدون نفسه، فالبعض تلهمه الأحداث السياسية كثيراً من الأفكار والشجون، والبعض تقلقه مشكلاته المحلية، والبعض يتساوى في الاهتمام حين يكون الموضوع عاما وموازيا للحدث القائم، لكن البعض وجد ضالته في المدونة لدرجة انه اتخذها منبرا لنشر أفكاره الهدامة التي بدأت كالصدمة حين يستغل الفضاء الالكتروني لنشر رذائله الأخلاقية والاتجار بقضايا الجسد متحججا بحرية الإنسان في التعبير عما يشاء.

وهذا ينطبق على كثير من المواقع التي تحتضن مدونات المثليين جنسيا والتي تصطدم بأنها تروج لهذا الفكر عبر خطة منظمة تستدرج المتصفح إلى كثير من الروابط التي تتناول الجنس المثلي في مختلف الدول، ولا سيما الدول العربية والخليجية، وهذا ما احدث الصدمة الكبرى فهؤلاء المدونون الذين يخرقون ميثاق شرف المدونات وأخلاقيات التدوين، تجدهم منظمين ومتعارفين ومتآزرين لدرجة المجاهرة بالمعاصي وتسمية الأسماء بأسمائها بعد أن كانوا متخفين وملاحقين.

وبعد أن عاشوا في مخابئهم طويلا خرجوا ليعلنوا مواقفهم بسفور، مما يتطلب تدخلاً رسمياً في وقف مهازل هذه المدونات التي أصبحت تخدش حياء المتصفح ولا تترك مجالا إلا المنع والمعاقبة، وهذا ما اقترحه الباحث عبدالفتاح مراد في كتابه بضرورة توقيع بعض الجزاءات الالكترونية على منتهكي أخلاقيات المدونات.

إذن التدوين في حد ذاته من الأفعال المحرضة على اتخاذ موقف تجاه الأشياء والآخرين والأحداث، وهي فعل ايجابي بحد ذاته ولكن حين تخرج علينا مدونات أقل ما يقال عنها أنها كتابات محرضة للغرائز ومتحكمة في عقول الشباب فهي لن تكون أفضل عن تلك القنوات الفضائية المشفرة ولا بد من التكتل ضدها ومحاربتها وكشفها، فالرقابة التي نأملها من الجهات المختصة أن تترك مدونات المثقفين وتركز على مدونات مدمري الأخلاق تحت مسمى الحرية.

كاتبة إماراتية