حاول وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أن يقلل يوم إعلان استقلال كوسوفو من طرف واحد، من خطر ذلك القرار عبر ملاحظته أنه لا يشكل هزيمة بالنسبة لصربيا. هذا إلى جانب تأكيده أن المصالحة بين الصربيين والكوسوفيين سوف تأخذ بالتأكيد عدة أجيال. مع ذلك يطرح إعلان الاستقلال العديد من المشاكل ويهدد من جديد التوازن في المنطقة كما أنه يحمل في طيّاته نزاعات كامنة.

السبب الأول هو أن هذا الاستقلال ناتج عن قرار من جانب واحد، ويخالف كلية القانون الدولي الذي ينص بوضوح أن مثل ذلك الإعلان ينبغي أن ينتج عن اتفاق الأطراف المعنية أو من قرار صريح صادر عن منظمة الأمم المتحدة، هاتان الحالتان ليستا متوفرتين.

وكان القرار الذي اقترعت عليه الأمم المتحدة غداة حرب 1999 يدل صراحة على سيادة صربيا على هذه المنطقة وإدارتها من قبل البعثة الدولية للأمم المتحدة إلى كوسوفو وإذا كان يتم بهذه الطريقة خرق القانون الدولي فقد يمكن الخشية من أن تصبح القوة الشرسة هي التي تحكم العلاقات بين الشعوب والأمم.

وإذا كان قد أمكن اتخاذ مثل ذلك القرار من قبل قادة كوسوفو. فذلك يعود لكون أن إدارة بوش وعلى أثرها العديد من الدول مثل فرنسا بقيادة نيكولا ساركوزي قد شجعتهم على ذلك وأعطت موافقتها. وفيما هو أبعد من إستراتيجيات القوى القومية المحلية.

الصربية والكوسوفية، فإنه ربما ما كان لهذا الاستقلال أن يعلن دون موافقة الولايات المتحدة، وكانت الأعلام الأميركية التي رفرفت داخل التجمعات المؤيدة لذلك الاستقلال خير مؤشر على ذلك، وهناك شعوب أخرى أدركت أنه لا مجال للاعتراف بها من قبل القوى العالمية دون دعم واشنطن مثل اوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وبالتأكيد فلسطين، مكيالان ومعياران لابد وأن يزيدا المرارة لدى شعوب عديدة.

إن القادة الأوروبيين الذين فهموا الخطورة الضمنية لمثل ذلك الاعتراف يحاولون بسذاجة أن يشرحوا واقع أن كوسوفو تشكل حالة فريدة ولا تشكك بمبدأ عدم المساس بالتراب الوطني للأمم، هذه الأطروحة مثيرة للقلق من زاوية مزدوجة.

فمن جهة أنها بحرصها على تبرير مثل ذلك الاستقلال بوجود مخاطر العنف والتصفية الاثنية تقدّم نهجاً للسلوك لجميع أولئك الذين يطالبون في الاستقلال بمناطق أخرى. ومن جهة أخرى تعطي الأساس النظري للمبدأ الذي استرشد به استقلال كوسوفو، أي مبدأ الأمم القائمة على الهيمنة الاثنية.

هكذا قيل بضرورة استقلال كوسوفو على أساس أن 90% من سكانها ينطقون باللغة الألبانية. مثل هذا المبدأ سيؤدي تعميمه إلى تفجر أغلبية بلدان البلقان. ألا يشكل الصربيون الأغلبية في جمهورية سربسكا في البوسنة والهرسك؟

والصربيون في كوسوفو ألا يحق لهم أن يطالبوا باستقلالهم في منطقة ميثرو فيكا، في شمال الدولة الجديدة المستقلة التي يشكلون فيها أغلبية ساحقة؟. لماذا لا يتم إلحاق هذه المناطق بصربيا، كما يمكن إلحاق المناطق ذات الأغلبية السكانية الكرواتية بكرواتيا.

هكذا يمكن لمثل هذا المنطق أن يصبح مستعصياً على السيطرة، وهو منطق يتناظر من جميع الوجوه مع المنطق الاثني الذي كان قد جرى تبنيه في زمن ميلوسيفيتش وتودجمان، مبدأ الأغلبية يصبح في هذه الحالة مجرّد الغطاء للتصفية الاثنية التي تغدو كمنظومة عمل.

إذا تم دفع مثل هذا المنطق إلى أقصى مداه، فإنه يمكن وضع جميع البني الوطنية تقريباً موضع التشكيك. وهذا ليس في البلقان وحدها ولكن أيضاً في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وأميركا الجنوبية، وليس هناك أية حدود يمكن اعتبارها عادلة تماماً، إن الحدود هي دائماً نتاج ميزان قوى سياسي وبناء تاريخي ومن العبث تماماً تصور إمكانية إقامة دول مستقرة عبر ترسيم الحدود على قواعد اثنية، أو طائفية.

إن مستقبل الشعوب يمر قبل أي شيء بالتطور الاقتصادي والاجتماعي ولا تزال الأمة حتى اليوم أفضل إطار لممارسة الحقوق. فضلاً عن ذلك لا تشكل دولة كوسوفو بناءً قابلاً للحياة. إنها غير قادرة على ضمان أمنها والرقابة على حدودها.

وقسم كبير من إدارتها الداخلية سيتم تشغيله عبر بعثة أوروبية ستتولى مهمة الشرطة والعدالة وسيتولى الحلف الأطلسي قضايا الأمن العسكري، وعلى المستوى الاقتصادي لا يتجاوز إجمالي الإنتاج الداخلي للفرد 1500 دولار.

فكوسوفو لا تمتلك أدنى نسيج صناعي والبطالة تصيب ما بين 40% إلى 60% من إجمالي السكان القادرين على العمل والمنظومة التربوية شبه معطلة. الاقتصاد تابع إذن بنيوياً للتحويلات المالية للمهاجرين وللمساعدة الدولية وهو يعاني من تنامي دور المافيات التي تبدو للأسف ذات دور حقيقي.

وأخيراً يشكل استقلال كوسوفو تحريضاً حقيقياً حيال روسيا التي يعرف مسؤولو واشنطن أنها تمثل مشكلة إذ لا تقبل الانصياع للقرارات الصادرة عنها من جانب واحد، وكان المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية في غاية الوضوح حول هذه النقطة عندما اقترح بوضوح وببساطة طرد موسكو من اجتماعات الدول الصناعية الثماني وخلق تجمعات ظرفية.

بل وتحدث عن إمكانية إنشاء «رابطة للديمقراطيين» بحيث يمكن تجاوز منظمة الأمم المتحدة في كل مرة تريد فيها الولايات المتحدة التدخل دون أن يعيقها أحد. في المحصلة، ومن أية وجهة نظر لمناقشة استقلال كوسوفو تبدو النتائج مثيرة للقلق.

ولم يتم فقط خرق القانون الدولي وإنما هناك خطر بروز «منطقة رمادية» في قلب أوروبا لن يستطيع أحد السيطرة عليها حقيقة أن إدارة بوش ترى في هذه الإمكانية بعدم الاستقرار وسيلة لتعزيز تواجدها في أوروبا، ومن المؤسف أن العديد من القادة الأوروبيين يوافقون على مثل هذا المشروع

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس