بعد أن سحبت تركيا جيوشها فجأة من شمال العراق يحق لنا أن نجري عملية تقييم لهذه العملية خاصة فيما يتعلق بمن ربح منها ومن خسر.
فعلى الأرض لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقول ان العملية انتهت إلى القضاء النهائي على حزب العمال الكردستاني، بل يمكن القول انها انتهت إلى تعزيز مكانته لدى أكراد تركيا، لأن لجوء الحكومة إلى الخيار العسكري عادة ما يؤدي إلى تعزيز الأطراف التي تقاوم بالسلاح وفى تركيا يقوم حزب العمال الكردستاني بهذا الأمر.
وهناك مؤشرات كثيرة تؤكد أن حزب العمال على الرغم من الوهن الذي أصابه في السنوات الأخيرة ومنذ إلقاء القبض على زعيمه عبدالله أوجلان يكتسب شعبية لدى الشباب الأكراد سواء في مناطق شمال شرق الأناضول أم في المدن التركية التي يعيش فيها الأكراد.
من هنا نستطيع القول انه إذا كان حزب العمال خسر لوجستياً وعسكرياً في هذه العملية فهناك مكاسب معنوية ورمزية قد حققها بسببها وعلى رأس هذه المكاسب أنها أعطت شرعية للتوجه الإيديولوجي الخاص بمواجهة الدولة عن طريق العمل العسكري ومن خلال حرب العصابات التي يلجأ إليها منذ عام 1987 عندما بدأ الحلقة الأخيرة له من مواجهة الدولة عن طريق السلاح.
وفى مقدمة الرابحين في العملية أكراد العراق، فعلى الرغم من أن معظم المعلومات أشارت إلى أن العملية الأخيرة جرت بالتنسيق بين الحكومة التركية والحكومة العراقية وعلى الأخص الرئيس جلال طالباني وهو كردي، إلا أننا نؤكد من خلال مؤشرات كثيرة أن ذلك جرى من دون رضاء المسؤولين في منطقة شمال العراق وهى المنطقة الوحيدة المستقرة أمنياً في العراق.
حيث توقع مراقبون كثيرون أن العملية سوف تحدث حالة من عدم الاستقرار في شمال العراق أيضاً. ونستطيع القول ان نتائج العملية التي لم تقض نهائياً على حزب العمال سوف تؤدي إلى أن تبحث تركيا عن بديل آخر قد يكون هو التنسيق مع المسؤولين في منطقة شمال العراق من أجل القضاء على خطورة حزب العمال الكردستاني وهو ما يزيد من سلطات هؤلاء المسؤولين من جهة ويحافظ على استقرار منطقتهم من جهة أخرى.
وثاني الأطراف الرابحة من هذه العملية هي الحكومة التركية التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية، فكلنا يعرف أن هذه الحكومة تريد اعتماد أسلوب جديد للتعاطي مع حزب العمال الكردستاني ومع المسألة الكردية في تركيا، والأسلوب الجديد كما يبدو من مؤشرات كثيرة هو إعطاء الأكراد بعض الحقوق الثقافية والسياسية وتنمية المناطق التي يعيشون فيها.
وفى رأى مسؤولين حكوميين كثيرين أن هذا الأسلوب سوف يؤدي إلى تهميش حزب العمال الكردستاني، وتجفيف منابعه. ولكن هناك قوى داخل تركيا لا تريد تجربة هذا الأسلوب وفى مقدمتها الأحزاب القومية المتواجدة في البرلمان وأيضاً المؤسسة العسكرية، ولكن ملابسات العملية العسكرية الأخيرة لابد وان تعطى شرعية لأسلوب الحكومة في التعاطي مع المسألة الكردية برمتها وأيضاً مع حزب العمال الكردستاني.
خاصة وان تصريحات متعددة صدرت عن مسؤولين أميركيين وموقف الاتحاد الأوروبي من المسألة يمكن أن يعززا من موقف الحكومة ويضعفا من موقف كل من التيار القومي التركي والمؤسسة العسكرية وبما يدفع تركيا إلى البحث عن أسلوب جديد للتعامل مع المسألة الكردية.
وإذا كان هؤلاء هم الرابحون من العملية العسكرية التركية الأخيرة في شمال العراق، فإننا نستطيع ان نقول ان هناك خاسراً وحيداً من نفس العملية هي المؤسسة العسكرية التركية، وبعيداً عن ملابسات سحب القوات التركية فجأة من شمال العراق وبعيداً عن الخسائر التركية في هذه العملية، نستطيع القول ان العملية جاءت نتائجها بالنسبة للمؤسسة العسكرية على عكس ما كانت تسعى إليه المؤسسة العسكرية نفسها.
فمن المعروف أن هذه المؤسسة كانت تريد أن تستعيد دورها المركزي في السياسة التركية والذي بدأ يتناقص ويتضاءل منذ أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا، وكانت المؤسسة تريد أن تبرهن للمواطن التركي أن دورها مهم في حفظ ثوابت الدولة وعلى رأسها وحدة التراب وهى مهددة من قبل حزب العمال الذي تتعامل معه المؤسسة العسكرية باعتباره حزباً انفصالياً.
فقد جاءت النتائج لتؤكد أن أسلوب المواجهة العسكرية الذي تريد المؤسسة العسكرية أن تعتمده ليس هو الأسلوب الأمثل لعلاج المسألة الكردية، بل جاءت النتائج أيضاً لتبرهن على أن المؤسسة العسكرية لم تعد بنفس القوة التي كانت عليها في السابق خاصة، فيما يتعلق بالتجهيز والمواجهة العسكرية والقدرة على مواجهة أسلوب حرب العصابات.
من هنا نستطيع القول ان هذه العملية قد يكون أحد نتائجها المباشرة في تركيا هو تراجع الدور السياسي للمؤسسة العسكرية، بما لا تعد معه هذه المؤسسة بنفس القوة التي كانت عليها في السابق، بل يمكن القول ان هذه العملية قد تكون تدشيناً للحكم المدني الحقيقي في تركيا بعد سنوات طويلة كان الجيش يحكم فيها من وراء ستار.
وهناك من يرى أن إسرائيل هي الأخرى طرف خاسر من العملية التركية الأخيرة في شمال العراق، سواء فيما يتعلق بما قدمته لها من دعم من أجل إقناع الجانب الأميركي بالموافقة على العملية أو ما قدمته لها من مساعدة استخباراتية، وقد ثبت فيما بعد عدم جدوى كل هذه المساعدات.
وهناك من رأى أن موقف إسرائيل هدف بالأساس إلى دفع تركيا لأن يكون لها دور في العراق لكي توازن ذلك مع الدور الإيراني الذي تناصبه إسرائيل العداء، ومهما كانت الأسباب فان نتائج العملية تؤكد أن إسرائيل مهما كان هدفها فهي لم تحققه وهو ما يعني أنها لم تكن من الأطراف الرابحة .
خصوصاً وان الخاسر الأكبر وهو المؤسسة العسكرية التركية تربطها علاقات قوية بإسرائيل، وتراجع هذا الطرف في السياسة الداخلية التركية يعنى ضمناً تراجع الدور الإسرائيلي في تركيا بما يؤكد أنها كانت من الأطراف الخاسرة في العملية العسكرية التي لم تحقق نجاحاً في شمال العراق.
كاتب مصري