بعد تأخير كبير، وتجاهل للتعطيل الذي اتسمت به المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، التي بدأت في الثاني عشر من ديسمبر الماضي، قامت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، بزيارة لإسرائيل والأراضي المحتلة هي الثالثة عشرة في سلسلة زياراتها للمنطقة منذ العام الماضي، لتنقذ عملية السلام التي أخذت بالانهيار تحت وطأة عدوان إسرائيلي مستمر ومتصاعد، وإعلانات استيطانية مكثفة في الضفة الغربية والقدس.

كانت إسرائيل للتو قد أوقفت المرحلة الأولى من عملية الشتاء الساخن، أو «المحرقة» كما أسماها نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ماتان فلنائي، والتي سقط على إثرها نحو مئة وثلاثين مواطناً فلسطينياً في غزة، وأكثر من ثلاثمائة وخمسين جريحاً أغلبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء والمدنيين، مما أدى بالرئيس محمود عباس للإعلان عن تعليق المفاوضات وكافة الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي إلى أن يتوقف العدوان.

كان معلوماً أن الرئيس عباس اتخذ خطوة احتجاجية مشروطة، كان من السهل على رايس أن تقنعه بالعودة عنها، طالما أنها مرتبطة بوقف العدوان، وقد توقف فعلاً بقرار وبناءً لمقتضيات إسرائيلية، ولكن ما أن تم الإعلان عن عودة المفاوضات يوم الخميس الثامن عشر من الشهر الجاري حتى وقعت عملية القدس في المعهد التلمودي وأدت إلى سقوط ثمانية وجرح نحو خمسة وثلاثين من طلاب المدرسة اليهود.

كانت العملية في توقيتها، ومكانها في القدس الغربية وعدد ضحاياها، من ذلك النوع الذي لا يمكن لإسرائيل أن تتجاوزه بدون أن ترتكب عدواناً انتقامياً وحشياً ضد الفلسطينيين، غير أنها ابتلعت الموس، وبررت عدم الرد بأن العملية تبدو ذات طابع فردي، غير أن السبب الحقيقي هو أن الحكومة الإسرائيلية اضطرت للتجاوب مع طلب رايس، التي أعلنت دعمها وتشجيعها للجهد المصري الذي يبذل منذ بعض الوقت لتحقيق تهدئة.

في الواقع لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة، مقتنعتان بضرورة التوصل إلى تهدئة، عبر حوار غير مباشر مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي تتوسط فيه وتديره القاهرة، فلا هذه ولا تلك غيرت من مواقفها الأساسية وسياساتها إزاء ما تعتبرانه «إرهاباً» فلسطينياً لا يمكن ولا ينبغي التساهل معه.

يتصل الأمر إذاً بمحاولة تخفيف الأجواء المحتقنة، سواء على الجانب الفلسطيني حيث لم يستطع الرئيس محمود عباس سوى الإعلان عن تعليق المفاوضات احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي، أو كان على المستوى العربي حيث هدد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير في القاهرة بسحب المبادرة العربية في حال واصلت إسرائيل عدوانها وتعطيلها للمفاوضات.

قيمة التهديد الذي صدر عن عباس ووزراء الخارجية العرب أنه يأتي قبل انعقاد القمة العربية في نهاية هذا الشهر، مما قد يؤدي في حال استمر التوتر والعدوان، إلى أن يتخذ القادة العرب قرارات صعبة تطيح بالمعادلة التي سبق لرايس أن حققتها، وكان مفادها أن تساعد الدول العربية واشنطن في سياستها في العراق والمنطقة، مقابل أن تبذل جهداً حقيقياً لدفع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

على أن إسرائيل التي اضطرت للتجاوب مع رايس بشأن التهدئة، وامتنعت عن الرد على عملية القدس، وأوقفت عدوانها على غزة، وربطته بإطلاق الصواريخ التي توقف إطلاقها أيضاً، واصلت سياسة التعطيل عبر إعلانات متكررة وخلال فترة قصيرة جداً، عن خطط استيطانية جديدة في القدس والضفة الغربية.

ففي يوم السبت الثامن من مارس الجاري، أعلنت إسرائيل عن مخطط جديد لبناء 391 وحدة سكنية في مستوطنة نيفي يعقوب شمال القدس، وفي يوم الاثنين العاشر من الشهر نفسه، أعلنت الصحافة عن مصادقة أيهود أولمرت على بناء 750 وحدة استيطانية جديدة في غفعات زئيفي، وفي اليوم الذي تلاه أعلنت بلدية القدس عن مشروع لبناء حي استيطاني مكون من أربعمائة وحدة سكنية في القدس.

فضلاً عن ذلك سمحت الحكومة بالبدء بتسجيل الأراضي التي تجري مصادرتها لأغراض الاستيطان في سجل الطابور، مما يعني تمليكها للمستوطنين في خطوة تشكل استفزازاً غير مسبوق.

الإعلانات الإسرائيلية عن المخططات الاستيطانية الجديدة أدت إلى ردود فعل دولية سريعة، وأيضاً غير مسبوقة من حيث اتساعها وطبيعتها، فلقد اعتبرها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، غير شرعية ومخالفة للقانون الدولي ومعطلة لعملية السلام، وكذلك فعل وزير الخارجية البريطاني، وبلهجة مختلفة عبرت فرنسا عن قلقها، وأدانها الاتحاد الأوروبي، فيما جاء الموقف الأميركي ملطّفاً حيث صدر عن الناطق باسم البيت الأبيض شون مكورمان أن التوسع الاستيطاني غير مناسب، ويؤدي إلى عرقلة المفاوضات. الحكومة الإسرائيلية تجاهلت ردود الفعل التي جاءت بعد إعلانها الاستيطاني الأول يوم السبت، وراحت تكرر إعلاناتها الاستيطانية الأخرى، مما دعا رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع، لأن يعلن صعوبة مواصلة المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان، فيما صرح أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، بأن العملية السياسية تتجه نحو الفشل.

وإذ يبدو أن وزيرة الخارجية الأميركية رايس التي انتقدت الاستيطان بحضور زميلتها وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني التي تزور واشنطن، يبدو أن رايس فقدت سحرها في التأثير على إسرائيل، مما استدعى البيت الأبيض لاتخاذ قرار بإرسال نائب الرئيس ديك تشيني لزيارة عدد من دول المنطقة من بينها إسرائيل، ورام الله.

الهدف المعلن لزيارة تشيني، يشمل بحث موضوع إنتاج وأسعار النفط، ومحاولة دفع المفاوضات وعملية السلام، عبر تخفيف حالة الاحتقان المتزايدة بسبب ما تقوم به إسرائيل.

من الواضح أن واشنطن تريد شراء المزيد من الوقت، فيما الحكومة الإسرائيلية لا تمكنها من ذلك، وهي بسبب ضعفها وعجزها، لا تستطيع منح حليفتها مثل هذا الوقت بحيث توقف عدوانها واستيطانها بدون أن تدفع ثمن ذلك داخلياً، سواء داخل الائتلاف الحكومي أو في العلاقة مع المعارضة القوية من خارج الحكومة.

لهذا تبدي إسرائيل تساهلاً في موضوع التوصل إلى تهدئة، وربما يؤدي الجهد المصري المدعوم أميركياً، ومن قبل السلطة الفلسطينية، إلى فتح جزئي لبعض المعابر، واتخاذ خطوات محدودة لتخفيف الحصار عن قطاع غزة، خصوصاً وأن آليات التوصل لمثل هذه الصفقة تمكن إسرائيل مرة أخرى من اللعب على التناقضات الفلسطينية، فهي تقبل بمفاوضات غير مباشرة مع حماس والجهاد، وتستثني السلطة الفلسطينية التي تجري معها حوارات منفصلة على قضايا أخرى.

هل تنجح الإدارة الأميركية في ضبط السلوك الإسرائيلي على جبهة العدوان والاستيطان إلى أن تنتهي القمة العربية كحد أدنى، أم أن حكومة إسرائيل لا تحتمل صبراً كهذا؟

بغض النظر عن طبيعة الجواب الإسرائيلي على مثل هذا التساؤل، فإن الأكثر وضوحاً، هو أن هذه الحماسة الأميركية غير المسبوقة لتحقيق التهدئة حتى لو أدت إلى الاتصال بحماس، ولنقد السلوك الاستيطاني، هذه الحماسة تبدو أقرب إلى الافتعال والموقف التكتيكي، منها إلى القناعة بضرورة ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل ينقلها من حالة تعطيل المفاوضات إلى حالة تسهيل التوصل إلى اتفاق سلام خلال ما تبقى من هذا العام.

إن قراءة المعطيات منذ أنابوليس حتى الآن، تشير إلى أن الأمل في تحقيق تسوية خلال العام الأخير من ولاية الرئيس بوش، هو كما أمل إبليس في الجنة، فإذا كان بوش يبحث عن نجاحات تعزز فرص حزبه الجمهوري في الانتخابات المقبلة، فإن أولوية أولمرت هي أن يحافظ على ثبات ائتلافه الحكومي الذي يعمل على قاعدة «كل الأمهات تبكي إلا أمي».

كاتب فلسطيني