بدلاً من أن يكون مؤتمر القمة العربية مناسبة لحل المشاكل العربية المستعصية وبحث قضايا عربية استراتيجية على أعلى المستويات وتلمس المشاكل التي تواجهها الأمة في عالم تعصف به المعضلات، أصبح عقد هذا المؤتمر مشكلة بحد ذاته ووسيلة لتصفية الحسابات ومناقشة القضايا الطارئة التي من المفروض أن يحلها الاجتماع الدوري لممثلي الدول لدى جامعة الدول العربية أو وزراء الخارجية.

ولم يعد ينفع عقد مؤتمر القمة لا للتفاؤل ولا للتشاؤم إن لم يكن أقرب إلى خيار التشاؤم وزيادة الخلافات تفاقماً، وخلال عشرين مؤتمر قمة عربية بحث اثنان منها فقط قضايا استراتيجية واتخذا قرارات ترقى إلى مستوى هذه التسمية وهما مؤتمر الخرطوم عام 1967 بعد هزيمة يونيو حيث أقر اللاءات الثلاث (لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف) ومؤتمر بيروت عام 2002 الذي أقر المبادرة العربية التي رسمت طريقاً يقبله العرب لحل الصراع العربي الإسرائيلي.

وما عدا قرارات هذين المؤتمرين فإن قرارات المؤتمرات الأخرى كانت إجرائية أو سياسية عارضة كما هو حال قرارات أول مؤتمر وهو الذي عقد في القاهرة 1964 واتخذ قرارات جادة حول مشروع جونستون لتوزيع المياه وقرارات مؤتمر الرباط 1974 الذي اعترف بمنظمة التحرير ممثلاً وحيداً للشعب الفلسطيني أو تلك المقررات ـ ذات بعض الأهمية ـ المتعلقة بالمصالح العربية المشتركة كالشؤون الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية أو ما يشبهها.

وقد تحولت مؤتمرات القمة إلى مناسبات لعقد مصالحات بين القادة المختلفين، أو إيجاد حلول على الورق لمشاكل عربية هامة وكان ينتهي مفعول هذه القرارات مع انتهاء المؤتمر، ولا يلتزم أحد بتنفيذها حتى ذاك الذي قبلها ووقع عليها، ولعل ذلك كله يعود إلى خلل في النظام العربي المنبثق عن ميثاق الجامعة العربية الذي أقر عام 1945 ومازال معمولاً به حتى الآن بالرغم من تغير الظروف والأحوال والأزمان، ولذلك لم يعد باستطاعته أن يواجه المستجدات بعد أن شهد عالمنا تغيرات في مفاهيمه وفلسفته وبنيته وعلاقات الدول وقيام تجمعات جديدة وآفاق جديدة لا يستطيع هذا النظام العربي العتيق أن يضعها في حسبانه فكيف باستيعابها.

والغريب أن أنظمتنا السياسية ما زالت تتمسك بنظامها هذا وترفض تطويره أو تغييره، ومع أنه من أقدم الأنظمة الإقليمية في العالم فهو أكثرها تخلفاً وقصوراً عن تحقيق أهداف الدول المنتسبة إليه، فقد جرت أحداث جسام في عالمنا وسالت مياه غزيرة في أنهاره وأسست بعد إقراره دولة إسرائيل وبدأت الحرب الباردة والاستقطابات الدولية، واستقلت عشرات الدول العربية وغير العربية، ثم انتهت الحرب الباردة، ومازال صامداً جامداً دون أي تغيير أو تبديل أو تطوير.

إن الخلل الأساسي في ميثاق الجامعة واستطراداً في النظام العربي أن قرارات الدول الأعضاء سواء كانت على مستوى القيادة أم لم تكن فهي غير ملزمة، وسواء أُخذت بالأكثرية أم بالإجماع فهي دائماً لا تلزم أياً من الدول الأعضاء بتنفيذها، وليس هناك لجنة أو أمانة أو مجلس يقوّم سلوك الأعضاء، ومدى تنفيذهم للقرارات من عدمه، وبالتالي فكأن هذه القرارات لم تتخذ أو اتخذت لحفظ ماء الوجه وكأنها خيار فردي للدول وليست خياراً عربياً جماعياً، والأطرف من ذلك أن العضو الذي وافق على اتخاذ القرار يمكنه أن لا ينفذه دون أن يلومه أحد.

ولهذا تنتفي المسؤولية الجماعية أو الرغبة بالموقف الجماعي، وتتحول القرارات إلى أمنيات. وقد جرت محاولات عديدة من أمانة جامعة الدول العربية ومن بعض الدول في نهاية تسعينات القرن الماضي لاتخاذ قرار يلزم الأعضاء بتنفيذ كل قرار يؤخذ بالأكثرية وكاد الجميع أن يقبلوا بذلك ثم تعثر الأمر وبقي الميثاق على حاله لا يلزم أحداً ولا يلتزم به أحد.

لعل مقارنة ميثاق الجامعة العربية بمواثيق تجمعات إقليمية أخرى لا يجمعها سوى المصالح، لأنها ليست دولاً تربطها الروابط القومية بمختلف أنواعها كما هو الحال العربي، تكون مقارنة مفيدة، فمواثيق الاتحاد الأوروبي، واتحاد دول جنوب شرق آسيا، ودول أميركا الجنوبية والشمالية وغيرها تلزم أعضاءها بتنفيذ ما تقرره الأكثرية، وربما لهذا السبب قطعت هذه التجمعات أشواطاً في التنسيق والتكامل ويكاد بعضها يصل إلى مستوى الوحدة الكاملة (سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً، وغير ذلك) والبعض الآخر على طريق الوصول، بينما نظامنا العربي مازال كما كان قبل أكثر من ستين عاماً يعرج على طريق وعرة يسير خطوة عليها ويتعثر خطوات.

لهذا وذاك، ورغم أكداس القرارات التي صدرت عن اجتماعات الجامعة ومؤتمرات القمة العربية، فمازال سلوك دولنا السياسي والاقتصادي والتعليمي وأنظمة التنقل والانتقال والمواقف من قضايا العالم الأساسية سلوكاً فردياً لا يأخذ هذه القرارات باعتباره، وتتصرف كل دولة وكأنها وحدها قوة إقليمية قادرة على مواجهة التكتلات العالمية الأخرى والنظام العالمي الجديد، ويلاحظ أن العلاقات (البينية) أي العلاقات بين الدول العربية في مختلف المجالات في أضعف أحوالها، بينما هي مزدهرة مع الدول غير العربية، متجاهلة أن التنسيق والتكامل مفيد لكل واحدة من هذه الدول بلا استثناء.

لقد كشفت الأزمة اللبنانية مرة أخرى عورة النظام العربي بعد أن كشفتها في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وتبينت رغبة كل دولة في أن تغني على ليلاها دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول الأخرى، ويرى كل نظام أن إمكانياته الذاتية تمكنه من فرض رأيه أو يجب أن تمكنه وأن مصالحه الفردية هي مؤشر النجاح.

أما المصالح العربية المشتركة والأمن العربي الموحد والمواقف الاستراتيجية فلتذهب إلى الجحيم. إذا استمر نظامنا العربي هكذا فلن يفلح العرب في حل مشاكلهم وإقرار استراتيجياتهم وسيبقون يلاقون الخيبة تلو الخيبة، ولأن ذلك كذلك فأبشر بطول سلامة يا مربع، سواء عقدت قمة دمشق على مستوى القادة أم لم تعقد.