عندما كنت طالباً في المدرسة كان أستاذ اللغة العربية بالنسبة لنا كالأب وكالمعلم، حيث لم يكلّ يوماً عن نصحنا وتوجيهنا في مختلف أمور الحياة من حولنا. وذات مرة سمعني أطلب من أحد زملائي في الفصل أن يستحم قبل أن يأتي المدرسة كل يوم لتذهب رائحته المؤذية، وكانت نصيحتي له علنية فأهنته دون أن أشعر.
وبعد أن انصرف الطلاب ناداني الأستاذ وقال لي: «هل تعلم أن محمد يسكن مع إخوته الخمسة في غرفة واحدة؟ وهل تعلم أن شقتهم فيها حمام واحد فقط»؟ ثم أردف: «يا بني، النصيحة في العلن فضيحة». ومنذ ذلك اليوم وكلماته ترن في أذني كلما هممت بنصح أحد، فأصبحت أتحين الوقت والفرصة والأسلوب المناسب لفعل ذلك.
في الأسبوع الماضي نشرت مقالاً بعنوان «يكفي بناءً للمساجد» تحدثت فيه عن العمل الخيري في افريقيا، واستعرضت تجربة مؤسسة «بيل وميليندا جيتس» الخيرية وما تقوم به للتقليل من نسبة وفيات الأطفال هناك. وفوجئت بسيل من الاتهامات كان أقلها اتهامي بمحاربة الصلاة والترويج للرقص ـ مع أن الموضوع لم يمت للرقص بأية صلة ـ حيث استشاطت مجموعة من «الثوار» غضباً من عنوان المقال، وقالوا بأنني لا يجب أن أتحدث عن المساجد بهذه الطريقة فهي من الأمور الأخروية، وهي أمور غير قابلة للنقاش!
إحدى القارئات (وسأسميها قائدة الثوار) قادت ضدي حملة إعلامية شعواء على صفحات الإنترنت وعلى أثير إذاعة الشارقة، حيث شاركها المذيع الرأي ـ دون أن يقرأ المقال ـ وقال لها بأنه كان على الكاتب أن يحتفظ بهذه الآراء لنفسه. لم أفاجأ بالقارئة، ولكنني تفاجأت من إذاعة كريمة أكن لها كل احترام وتقدير، فكيف لهم أن يهاجموا شخصاً دون الاتصال به والاستيضاح منه؟
في تعليق (لقائدة الثوار) قالت بأنه لا ينبغي أن يدعو الكاتب للكف عن بناء المساجد، والأحرى به أن يدعو للكف عن بناء المراكز التجارية والحدائق العامة والمراقص، وهو ما يثبت أنها لم تقرأ المقال، فأفريقيا المعدومة ليس فيها غذاء لتكون بها مراكز تجارية أو مراقص.
وحديثي كان يدور حول أولويات التبرع، فالمساجد التي أكدت على أن بناءها يعد عملاً خيرياً يجزي به الله فاعله ببيت في الجنة، ليست هي بالضرورة الوسيلة الأفضل للتبرع، فكيف نبني مسجداً لمن يموت أطفاله من المرض كل يوم؟ وهل الأولى أن ندعوه للعبادة أم أن نعالج أبناءه ثم نبني لهم مسجداً ليتمكنوا من الصلاة فيه؟
قارئ آخر قال بأنني منبهر بالغرب وذلك لأنني لم أتحدث عن حملة دبي العطاء، وأقول له، نعم، أنا منبهر بكل تجربة إنسانية وتنموية سواء كانت في الغرب أو في الشرق، لأنني أبحث عن كل ما يفيد البشرية، وأبحث أيضاً عن الحكمة التي هي ضالة المؤمن. أما بالنسبة لدبي العطاء، فلقد تشرفت بالمساهمة في الإعداد لها ضمن فريق العمل قبل إطلاقها، إلا أن جهدي لا يرقى لجهود زملائي الذين سهروا الليالي وقطعوا القفار ليجعلوا منها تجربة تنموية رائدة، لذلك لم أرد أن يقال بأنني أروّج لجهد بسيط قمت به.
وعلى ذكر ذلك، دعوني أروي لكم هذه القصة. عندما ذهب وفد الحملة إلى جزر القمر للوقوف على احتياجاتهم التعليمية، قال لهم وزير الصحة بأنهم لا يحتاجون إلى مدارس في الوقت الراهن، لأن أبناءهم يموتون قبل أن يصلوا إلى سن المدرسة، وعندما سألوه عن الحل، قال لهم بأنهم في حاجة إلى مليوني دولار فقط على مدى سنتين وستحل مشكلة الملاريا في الجزر إلى الأبد، وسيتمكن بعدها الأطفال من العيش ومن ثم سيستطيعون دخول المدارس.
ثائر آخر نشر تعليقاً على الإنترنت قال فيه بأن الأسر في حاجة إلى مساجد حتى تطمئن فيها قلوبهم بعد موت أطفالهم، ولذلك فإن مقالي هو عبارة عن «ترهات صدرت عن شبه مثقف يظن أن الحياة أهم من الموت»، ثم ختم بقوله: «ليمت الأطفال ولتبق بيوت الله عامرة».
معظم الذين قادوا تلك الثورة توقفوا عند العنوان فقط، ومن قرأ المقال أرسل إلى برسائل تؤيد الفكرة، بل إن كثيرين ممن اتصلوا بي أخبروني عن قصص شخصية تصب في نفس فكرة المقال.
كل الثوار أجمعوا أن الإمارات في حاجة إلى المزيد من المساجد، ـ وهو أمر أوافقهم عليه، بل إنني تقدمت قبل مدة بطلب بناء مسجد في الحي الذي أنوي السكن فيه قريباً إن شاء الله ـ ولكنني لم أكتب عن المساجد في الإمارات أيها الثائرون، وكانت رسالتي تدعو المسلمين لتقديم أولويات الدين على أولوياتهم الشخصية.
أحد الثوار قال أيضاً بأن مقالي ليس بمقال شخص مسلم وهو أقرب إلى كلام كافر، ثم أردف: «كيف لمسلم أن يستهزئ بالمساجد والعياذ بالله»، مما يدلنا على أن العقل العربي ما زال يراوح في مكانه إلا من رحم ربك.
تعرفت إلى رجل يعمل في إحدى الجمعيات الخيرية في الخليج، قضى جل حياته في العمل الخيري بين افريقيا وآسيا. قال لي مرة بأنه ذهب لبناء مسجد في إحدى الدول الافريقية الفقيرة، وعندما وصل إلى إحدى القرى رأى جثثاً مرمية في الطرقات من شدة الجوع والمرض، فطلب من مرافقيه أن يأخذوه إلى أفقر بيت في القرية، وعندما طرق الباب خرجت له امرأة لا تكاد تقوى على الوقوف، فقال لها بأن معه مساعدات غذائية فردت عليه: «اذهب إلى البيت الذي يقع خلفنا فأهله لم يأكلوا منذ ثمانية أيام.
نحن أكلنا قبل ثلاثة أيام، وهم أحوج منا للأكل»، فبكى الرجل بكاءً شديداً وأعطاها هي وجميع بيوت القرية مساعدات غذائية لسد رمقهم، وأرجأ مشروع بناء المسجد حتى تنجلي غمة المجاعة.
يذكرني هذا الموقف بعبد الله بن المبارك الذي خرج ليشتري جملاً للحج فرأى امرأة تنتف ريش بطة ميتة، ولما سألها عن الأمر قالت له بأن بناتها لم يأكلن شيئاً منذ أربعة أيام، فما كان منه إلا أن دفع إليها بالمال الذي كان يريد أن يحج به وقال: «ويحك يا ابن المبارك، أين أنت من هذه»؟
لا يزعجني اختلاف وجهات النظر، بل على العكس أحب الاستماع إلى وجهات نظر الآخرين، وأتشوق لمحاورتهم حولها، ولكن ليت الثوار الذين قادوا تلك الحملة الشعواء راسلوني على بريدي الإلكتروني بأسلوب لبق وبنقاش فكري راقٍ، بدلاً عن التشهير على الإنترنت وفي وسائل الإعلام ـ بل إن أحدهم نظم فيّ قصيدة هجاء ـ وتمنيت لو أن إذاعة الشارقة اتصلت بي لتستوضح الأمر بدل الهجوم المباغت الذي يسيء إلى الإذاعة قبل أن يسيء إليّ، ولكنني أقول لكل هؤلاء: تعيسة هي المدينة التي يكون الفكر فيها مدوراً كحدوة الحصان.
باحث إماراتي