نائب الرئيس الأميركي تشيني في طريقه إلى الشرق الأوسط في السادس عشر من الشهر الجاري في جولة تشمل سلطنة عُمان والسعودية وتركيا وإسرائيل والضفة الغربية ولا يُستبعد أن يتوقف لبعض الوقت في بغداد، فقد اعتاد المسؤولون الأميركيون على إبقاء مواعيد زياراتهم إلى العراق طي الكتمان.

تأتي هذه الجولة بعد الزيارة السريعة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية رايس لكل من إسرائيل والضفة الغربية لتدارك الانهيار الكلي للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية إثر التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق في غزة.

الملفات الساخنة التي تشغل بال الإدارة الأميركية ما برحت هناك، وكثافة الوجود العسكري قد تعزز بوصول البارجة الحربية الأميركية كول قبالة الساحل اللبناني في خطوة تصعيد للموقف المتوتر أصلاً على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط حيث تنشط منظمتان على حدود إسرائيل الشمالية والغربية تعتبرهما الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل منظمتين إرهابيتين مسؤولتين عن حالة التوتر وعدم الاستقرار في هذا الجزء من الشرق الأوسط : حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين.

الأول يُتهم بأنه حجر عثرة أمام تسوية الأوضاع في لبنان وأمام ملء الفراغ السياسي الذي يتمثل بفشل اللبنانيين في انتخاب رئيس لهم، والثانية تُتهم بمواصلة تهديد أمن إسرائيل وبعرقلة الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة من أجل الإيفاء بوعدها بإنشاء الدولة الفلسطينية قبل نهاية فترة رئاسة الرئيس الأميركي مع نهاية عام 2008.

هذا ليس كل ما هناك، فالوضع الأمني في العراق، الذي تحسن لبعض الوقت، عاد إلى التردي من جديد في الآونة الأخيرة بسبب غياب حلول عملية مقبولة من كافة الأطراف واستمرار العملية السياسية في المراوحة في موقعها وعجز الحكومة العراقية عن كسر حالة الجمود والشلل التي تسود الوضع في العراق.

كما أن جميع الجهود التي بذلت والإجراءات التي اتخذت حيال إيران لم تُفلح في زحزحتها عن موقفها في المضي قدماً في برنامجها النووي المثير للجدل، وها هو الرئيس الإيراني يطلق من بغداد ومن داخل المنطقة الخضراء تصريحات يسخر فيها من الولايات المتحدة ويطالبها بالرحيل عن العراق.

وإضافة إلى هذه الملفات التي ليست جديدة، أصبحت أسعار النفط تقلق الولايات المتحدة، أكبر مستهلك له في العالم، في وقت بدأ اقتصادها بالتراجع وسط تخوف من حصول حالة كساد اقتصادي تنسحب آثاره على دول أخرى، فقد تجاوز سعر البرميل الواحد حاجز المئة دولار وهو مرشح للمزيد من الصعود بسبب زيادة الطلب عليه في الأسواق العالمية وعدم رغبة منظمة أوبك بزيادة الإنتاج على الرغم من الضغوط التي تعرضت لها أبرز أعضائها إبان زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة مؤخراً.

فما الذي يحمله تشيني من حلول لهذه المشكلات الكبيرة والمعقدة؟، وهل إن زيارته تتعلق باستمرار التشاور مع أصدقاء الولايات المتحدة أم هي لغرض آخر؟.

المصادر الرسمية الأميركية أوضحت أن مهمة تشيني هي إجراء مفاوضات مع المسؤولين في هذه الدول حول المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة، وخصت بالذكر تسريع المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وارتفاع أسعار النفط.

فمن المتوقع أن يسلط نائب الرئيس الأميركي المزيد من الضغط على المملكة العربية السعودية لزيادة إنتاجها النفطي وهو المخرج الوحيد من مشكلة زيادة الأسعار مع أن ذلك يلحق ضرراً باقتصادات الدول المنتجة للنفط، هذا من جهة، والضغط على طرفي الصراع الفلسطيني لتقديم تنازلات، يتحمل الفلسطينيون، في الغالب، القسط الأكبر منها للعودة إلى مائدة التفاوض من جهة أخرى.

هذه المهمات تتفق مع سياقات الزيارة ومحطات توقف تشيني، فالتوصل لحل القضية الفلسطينية أمر يعود بالدرجة الأولى إلى طرفي النزاع، إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ومسألة تخفيض أسعار النفط يرتبط بزيادة العرض في الأسواق وهو ما تستطيع السعودية تلبيته فهي أكبر مصدر للنفط في العالم ولها القدرة على رفع سقف إنتاجها.

والزيارة لتركيا هي الأخرى يمكن أن تُفهم مبرراتها خاصة وأن تركيا قد أبدت في مناسبات سابقة رغبتها في القيام كوسيط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كونها تحتفظ بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف، هذا إضافة إلى أهميتها في صناعة الاستقرار في العراق بعد أن أثار التوغل التركي في الأراضي العراقية مؤخراً قلق الولايات المتحدة من احتمال حصول تداعيات غير محسوبة تجلب المزيد من الفوضى إلى منطقة تعتبر مستقرة في العراق.

بقي أن نتكهن حول أسباب زيارة نائب الرئيس الأميركي لسلطنة عُمان، فالسلطنة تنتج كميات محدودة من النفط لا ترشحها كمساهم في تخفيض سعره و لم يكن لها دور يذكر في الملفات الساخنة التي تطرقنا إليها، إلا أنها من جهة أخرى تمتلك موقعاً إستراتيجياً هاماً تطل منه مع إيران على مضيق هرمز، بوابة الخليج العربي. ولا يغيب عن البال ما لذلك من أهمية إستراتيجية تتعلق بتأمين إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية وتأمين مسارات القطع الحربية الأميركية التي تملأ مياه الخليج في حال نشوب حرب مع إيران في ضوء استمرار حالة التشنج في العلاقات الأميركية الإيرانية.

فهل لدى الولايات المتحدة ما هو جديد لمعالجة هذه المشاكل وقد أصبح بعضها مزمناً وربما مستعصياً على الحل في أطر التوازنات القلقة القائمة حالياً في المنطقة آخذين بنظر الاعتبار أنها قد استنفدت تقريباً كل ما في جعبتها من أطروحات دبلوماسية؟. الجواب عن ذلك يكمن في مدى رغبة الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة في تحمل مسؤولية حرب أو حروب جديدة تطيح بالتوازنات القائمة وتسمح بإرساء علاقات جديدة تفرض فيها واشنطن وحلفاؤها المقربون أجندتهم.

المعروف لدى من يتابع أوضاع الشرق الأوسط بأن للولايات المتحدة دوراً كبيراً في صناعة أزماته بسبب سياساتها الانتقائية غير المتوازنة خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والتزامها غير المحدود بأمن إسرائيل رغم كل ما تقوم به من انتهاكات لحقوق الإنسان وتجاهلها لحقوق بقية شعوب المنطقة. فهل ستقدم الإدارة الأميركية على خطوات من شأنها زيادة أزمات هذه المنطقة؟ سؤال مشروع في سياق التجربة التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط خلال فترة وجود الرئيس بوش في البيت الأبيض والتي تحولت فيها المواقف النزقة إلى إستراتيجيات دولة عظمى.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae