«إذا كانت الأنظمة الشيوعية تحكم بديكتاتورية الحزب الواحد فإن الديمقراطية الأميركية تحكم بديكتاتورية الحزبين»، هذه العبارة قيلت كثيراً في زمن الحرب الباردة، والآن تستخدم داخل الولايات المتحدة الأميركية كثيراً، وأشهر من يستخدمها هناك المرشح المستقل للرئاسة من أصل عربي «رالف نادر» الذي انضم لسباق الرئاسة فجأة في الأسبوع الماضي.

وأثار انضمامه امتعاضاً شديداً من الديمقراطيين بحكم أنه كالعادة يأخذ حصة أصواته من أصواتهم، والآن يمكن أن تبدو ملامح لعبة أو تمثيلية الديمقراطية الأميركية إلى حد كبير واضحة تكشف عن وجود أيادٍ خفية تدير اللعبة الانتخابية للرئاسة بشكل يخدم مصالح الجهات المهيمنة على صناعة القرار السياسي.

وهي جهات أصحاب المصالح الرأسمالية الكبيرة من أباطرة النفط وصناعة السلاح في أميركا، وهذا ما شاهدناه في تجربتي انتخابات الرئاسة الماضيتين واللتين قيل إنه تم التلاعب فيهما في الأصوات لصالح المرشح الجمهوري بوش الابن، هذا الأسلوب ليس قاصراً على انتخابات الرئاسة بل يمتد إلى الانتخابات النيابية في الكونغرس بمجلسيه .

بعد الانتصارات الكبيرة التي حققها الديمقراطيون في العامين الماضيين في انتخابات الكونغرس وسيطرتهم على مجلسيه ومع تدهور سمعة الجمهوريين بسبب سياسات إدارة بوش أصبح الجميع على قناعة شبه مؤكدة أن الرئيس القادم سيكون ديمقراطياً، لكن الجميع فوجئ بأن الديمقراطيين يدخلون انتخابات الرئاسة بمرشحين أساسيين، أحدهما «امرأة» خرج زوجها من الرئاسة بفضائح.

والثاني ليس فقط «زنجي» بل ومن أصول مسلمة، الأمر الذي اعتبره الكثيرون مجازفة غير عادية، وحتى لو كانت امرأة أخرى غير هيلاري كلينتون وزنجي آخر غير باراك أوباما فإن الأمر أيضاً لا يخلو من المجازفة، وأيا كان التأييد والشعبية لهما داخل حزبهما فإن هذا لا يعني توافر مثل هذا التأييد وهذه الشعبية في الشارع الأميركي الذي لم تحكمه من قبل امرأة ولا يستطيع الغالبية منه أن يقبلوا بأن يحكمهم ويسير أمورهم زنجي، خاصة وأن الشعب لم يتم إعداده وتأهيله لتقبل هذا الأمر مسبقاً.

وربما يكون عنصر المفاجأة متعمداً هنا حتى تسير الأمور بمنحى آخر وفق ما يريده أصحاب المصالح العليا الذين يديرون الأمور خلف الستار ويمولون الحملات الانتخابية لكل من مرشحي الحزبين ولكن بنسب مختلفة، وحتى المرشحين المستقلين يتلقون تمويلاً لحملاتهم من نفس الجهات، وهذا طبيعي لأنهم جزء لا يتجزأ من التمثيلية ولهم أدوارهم فيها وإن كانت أدواراً ثانوية أو غير رئيسية.

السيناريو كما يبدو من الآن أن الديمقراطيين قد نالوا حصتهم من قبل في الانتخابات النيابية وسيطروا على الكونغرس بمجلسيه، ولكن أن يحصلوا على منصب الرئيس وفي هذا التوقيت بالتحديد فهذا أمر على ما يبدو صعباً إن لم يكن مستحيلاً، فمن الواضح أن الجمهوريين، والمحافظين منهم خاصة لم يحققوا كل أهدافهم كاملة خلال فترتي حكم بوش الابن.

وهناك مهام كثيرة معلقة في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط وأنحاء أخرى من العالم لم يتم حسمها ولم تحصد أهدافها كاملة بعد، وعلى ما يبدو أن خزائن أصحاب المصالح العليا صانعي القرار في أميركا لم تمتلئ بعد بالدرجة التي تؤمن لهم تحمل سنوات عجافاً أخرى مثل التي عاشوها مع الديمقراطيين في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون الذي كان يعمل ألف حساب قبل الدخول في مغامرة عسكرية .

والذي لم يذكر له أنه طلب من الكونغرس ولا مرة واحدة أي دعم للمؤسسة العسكرية، على عكس خليفته بوش الابن الذي حقق لها عائدات قاربت التريليون دولار بخوضه حروب واسعة تحدى فيها العالم كله وحرك فيها الآلة العسكرية الأميركية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخها، مما عاد على إمبراطورية التصنيع الحربي وملوك النفط بعائدات خيالية.

و الطريق ما زال مفتوحاً وبشكل كبير لتحقيق المزيد، والفرصة متاحة بشكل ربما لا يتكرر في المستقبل القريب، ولكن لو وصل للبيت الأبيض رئيس ديمقراطي مع كونغرس تسيطر عليه الغالبية الديمقراطية فإن الأمور سوف تتغير بشكل جذري، وسيفتر أو يختفي الحماس للاستمرار في هذا الحشد العسكري وخوض الحروب، وهو الأمر الذي لا يقبله أباطرة السلاح والنفط المهيمنين على صناعة القرار في الولايات المتحدة والمتحكمين في سير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أيضا .

ومن الخطأ أن يتصور البعض أن فوز الديمقراطيين الكبير في الانتخابات النيابية جاء رغم أنف جهات صنع القرار في أميركا، إذ إن الأوضاع لم تكن تسمح بسيطرة الجمهوريين في ظل التدهور الكبير لسمعة إدارة الرئيس بوش، وكان لابد من عمل موازنة للأمور تعطي للديمقراطيين الكونغرس بينما تحتفظ للجمهوريين بالرئاسة.

و مع المزيد من التدهور لسمعة إدارة بوش فإن الأمل الوحيد في نجاح الخطة للنهاية أصبح يتوقف على مدى قوة المرشحين للرئاسة من الجهتين، وليس لدى الجمهوريين، وخاصة المحافظين الصقور منهم وأصحاب المصالح العليا أفضل من المرشح الجمهوري جون ماكين رغم كبر سنه، لكنه وهو المحارب القديم و الأكثر خبرة والأفضل سمعة وأيضا الأكثر محافظة وتشددا من بوش الابن نفسه، وحينذاك يصبح الأمر متوقفا على مدى ضعف المرشح الديمقراطي.

ومن هنا جاءت «لعبة المرأة والزنجي»، لتكتمل التمثيلية التي ستنتهي بفوز المرشح الجمهوري المحافظ لتنفض تمثيلية الانتخابات ويعود أصحاب المصالح العليا أباطرة النفط والسلاح لاستكمال مشوارهم الذي بدأوه مع بوش الابن بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

elmoghazy@hotmail.com