نزعم في كل حال أن الانشغال الإسرائيلي بقضية الاعتراف العربي، ثم التوكيد على الاعتراف الفلسطيني بشكل استثنائي، قد تناسبا طردياً مع اتجاه الحقيقة الفلسطينية السياسية والمسلحة المقاومة إلى التطور والتبلور والانبعاث في الرحاب العربية والإقليمية والدولية. فبفعل هذا الاتجاه أضحى على إسرائيل التمييز بين صراعاتها مع الدول العربية التي تندرج في التحليل الأخير في باب الخلافات الحدودية أو السياسية «المألوفة»، وبين صراعها مع شعب يدعي عليها بحقوق تاريخية وقانونية ضارية تمتد إلى وجودها ذاته. بصيغة أخرى، تعين عليها استحضار سيناريو نشأتها الأولى وما ارتبط بها من خطايا وعيوب خلقية.
لا يبالغ كثيراً من يعتبر أن الاعتراف العربي بإسرائيل أقرب كما أشرنا إلى مدرسة التقرير ومثابة لتوسيع آفاق الحركة أمام هذه الدولة، فيما يعد الاعتراف الفلسطيني، حبذا إن كان عاماً ونهائياً وساطع الوضوح، أميل إلى مدرسة الإنشاء.. إنه أبو الاعترافات جميعها قياساً بغيره. لقد مضى الزمن الذي كان فيه هذا الاعتراف أمراً ثانوياً لا يؤبه له ولا تعبأ إسرائيل به.
ذلك حين كان الشعب الفلسطيني نسياً منسياً وعند بعض القادة الإسرائيليين مثل جولدا مائير «لا وجود له». وقتذاك ما كان عقلانياً ولا منطقياً أن ينشد هؤلاء ودولتهم اعترافاً من قوم لا كينونة لهم ولا وزن لكلمتهم! أما وقد استجمع الفلسطينيون أمرهم وصارت لهم أنساق ومؤسسات، كالتي للدول، وحصلوا على مواثيق بوجودهم ومطالبهم إلا قليلاً منها، فقد بات على إسرائيل أن تشدد الضغوط عليهم ليعترفوا بها. إن اعترافهم هذا فيه صك البراءة الأعظم لكينونتها بالمعنيين التاريخي أولاً والحقوقي القانوني ثانياً.
علي هذا المضمار تبدي إسرائيل حساسية عالية إلى درجة مثيرة للجدل وربما للسخرية. فهي لا تكتفي باعتراف منظمة التحرير، الممثل الشرعي الوحيد، وإنما تعمد إلى تحصيل الاعتراف من كل قوة أو فصيل أو حركة أو تيار ينتمي للفلسطينيين ويشتغل في حقل السياسة، داخل النظام الفلسطيني وخارجه، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً!
كما أنها على خلاف سلوكها مع الدول العربية المعاهدة لها، تتخذ من هذا الاعتراف وتجديده شرطاً شارطاً واجب الالتزام العلني والإشهار على الملأ، قبل شروعها في أية خطوة حوارية أو تفاوضية صغرت أم كبرت مع أي قطاع فلسطيني رسمي أو أهلي. هذا أمر ظاهر جداً مع حركة حماس قبل وصولها للسلطة وبعده.
الدول واثقة الخطوة التي تمشى ملكاً لا تفعل ذلك. وللقائلين ان الحوار النقاش أو التفاوض لا يستقيم إلا بين أطراف تعترف ببعضها البعض، ندفع بأن عكس ذلك جائز ومنطقي أيضاً، لا سيما في الحالة الإسرائيلية الفلسطينية، حيث التكاسر يدور على قضايا فارقة بالنسبة لحدود الوجود والعدم.
إن قوى فلسطينية كثيرة ليست حريصة على اعتراف إسرائيل بها. وتستطيع إسرائيل أن تتخاصم وهذه القوى وتحتكم إلى الشرعية الدولية. عندئذ سينشأ كيانان دوليان، إسرائيل وفلسطين في حدود آمنة ومعترف بها، وقد لا تكون ثمة حاجة للاعتراف المتبادل بينهما إلى أن يشاء الله! لقد أشرنا إلى أن القرار 242 أستأنس بهذا الفهم في علاقة الدول العربية بإسرائيل، فلم لا يعمل بالتقليد ذاته بين إسرائيل وفلسطين؟
انه لأمر غريب وشاذ حقاً أن تصر إسرائيل على اعتراف الفلسطينيين بها، رسميين وشعبيين، زرافات ووحداناً، بينما هي تحتلهم وتجوس في ديارهم وأحشائهم وتقمعهم على مدار الساعة.
غريب حقاً أن الدولة القوية التي تسعى إلى كأس الجدارة بقيادة «الشرق الأوسط» تشتاق إلى اعتراف من هذا القبيل. ونحسب أن كلمة السر في هذه الأحجية تتعلق بصك البراءة من عبء النشأة الإسرائيلية الأولى. كما نحسب أن الفلسطينيين والحال كذلك، الرافضون منهم لشرط الاعتراف المسبق بالذات، يملكون ورقة قوية لا ينبغي لهم التفريط فيها بسهولة.
كاتب وأكاديمي فلسطيني