لم يكن صباح الخميس الماضي صباحاً عادياً، حيث كنت على موعد لتتلقى ذاكرتي المحملة بأخبار وحوادث ومحارق ومجازر الأمة ما يكفي بأن ينعتها بالهم والتحسر من أحوال الزمان والمكان، أقول تلقت ذاكرتي خبر وفاة المؤرخ الدكتور جمال زكريا قاسم، والمناضل صاحب القلم الجريء والكلمة المنصفة، صاحب الفكر الحر والنزيه الدكتور أحمد الربعي.
وعلى الرغم من أن الدكتور جمال زكريا قاسم قد وافته المنية منذ عدة أشهر إلا أنني لم أعرف عن خبر وفاته إلا في صباح يوم الخميس وكأنني في موعد مع القدر بأن أقرأ خبر وفاة الاثنين في وقت واحد، فبينما كنت أقلب صفحات إحدى المجلات الثقافية وقع بصري على مرثية كان قد كتبها أحد الأساتذة الأفاضل ينعى فيها قاسم، حزنت كثيراً على وفاة هذا العملاق التاريخي، الذي ترك بصمة رائدة ومميزة في كتابة تاريخ الخليج الحديث والمعاصر، فهو صاحب موسوعة (تاريخ الخليج العربي: الحديث والمعاصر).
والتي جاءت في خمسة مجلدات تناولت الحقب التاريخية المختلفة التي مرت بها دول الخليج منذ القرن السادس عشر وحتى غزو وتحرير الكويت في عام 1991، وقد جاءت هذه الموسوعة غنية جداً بالأحداث والتطورات السياسية التي مرت بها المنطقة، وكان الراحل قد اعتمد بالدرجة الأولى على الوثائق البريطانية التي استقاها من دور السجلات البريطانية بلندن وذلك بسبب عدم توافر دراسات عربية أو أجنبية معتمدة عن هذه الحقب التاريخية، ومن هذا يسجل الراحل السبق في مجال نبش الوثائق البريطانية واعتمادها كمادة أساسية في استقاء الأحداث وتوثيقها.
ولم يكتف الراحل بهذه الموسوعة الغنية جداً، حيث كانت له دراسات كثيرة مهمة متعلقة بتاريخ الإمارات ومنطقة الخليج، فالراحل قد كرس جل عمره وجهوده العلمية للدراسات العلمية بشكل عام والدراسات الخليجية بشكل خاص وهذا ما ذهب لتأكيده أستاذه المرحوم أحمد عبد الكريم عزت عندما قال عنه إن جمال قد صرف أحلى سنوات عمره وهي سنوات الشباب وأخذ يتجاوزها إلى سنوات الكهولة الناضجة وهو في محراب العلم لا يأخذ من أسباب الشباب والدنيا إلا بقدر.
كما قال إن لجمال صحبة طويلة لتاريخ الخليج العربي ابتدأت منذ سنوات دراسته الأولى وهو طالب في قسم التاريخ وصولاً لرسالة الماجستير والتي اختار عهد حكم السيد سعيد سلطان مسقط (1806 ـ 1856) ليكون موضوع الرسالة، ومن ثم تابع في الدكتوراه حيث وسع من نطاق بحثه ليشمل تاريخ الخليج بأسره في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما إن فرغ من الدراسة حتى واصل مشروع البحث العلمي وأخرج العشرات من الدراسات البحثية الجادة.
كنت قد التقيت بالراحل في ندوة نظمها مشكوراً مركز زايد للتراث والتاريخ في مايو 2006 وقد شاءت الأقدار بأن أقدم ورقة بحثية في تلك الجلسة، وكم كنت أشعر بالحرج وأنا في حضرة العملاق التاريخي ولكنه حرج مغلف بمشاعر الفخر ونحن نلتقي ونجالس هؤلاء الكبار.
ستظل كتبك أيها المؤرخ الكبير ملازمة مكتبي، وسأظل أبحث وأسأل عن أي الأجزاء الناقصة منها كعادتي عندما لا أراها على مكتبي، فعقلي لا يستكين ويطمئن إلا برؤية الأجزاء مصفوفة أو متوارية بين الكتب الأخرى، انظر لها فأطمئن واستكين بأنني في أيد أمينة وأنا محفوفة بهذه المراجع الأم.
فشكراً لك يا أستاذي الكبير على ما قدمته وكتبته وحق على أبناء الخليج أن يقدموا لك الشكر الجزيل فأنت أول من وثقت تاريخ منطقتهم، لن يتوارى اسمك ولو توارى جسدك، ستظل روحك وأعمالك الكبيرة تخلد جمال زكريا قاسم كعميد للدراسات الخليجية، فهنيئاً لكي يا مصر بابنك، وهنيئا لدول الخليج بمؤرخ من أمثال قاسم.
أما أحمد الربعي والذي ترك في القلب غصة برحيله، فقد شاءت الأقدار بأن أشاهده في معرض أبو ظبي الدولي للكتاب في دورته الماضية أي قبل عام تقريباً، فقد شاهدته يشتري كتاب (نخيل التمر) وهو من إصدارات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، وقد تساءلت بيني وبين نفسي ما علاقة الربعي بالنخيل، ما علاقة الثوري المناضل صاحب التاريخ السياسي بالنخلة، هل كان يستمد معاني الصبر والتحدي والشموخ وعدم الاستسلام من النخلة في مواجهة المرض، أم هي طريقة الموت المتشابهة بين النخلة وأحمد الربعي، حيث النخيل تأبي أن تموت إلا وهي واقفة شامخة وها هو الربعي يفارقنا وهو شامخ بما حققه من تاريخ نضالي.
إنها مشيئة الله في أن يترجل الربعي في يوم الأربعاء، وهو اليوم الذي خصصه الراحل الجليل في كتابة أربعائياته الوجدانية المليئة بالمفردات الإنسانية الجميلة، وبالشجن والحكم التي تلامس شغاف القلوب وكأنه ينقل من خلال تلك الأسطر الناعمة تجربة حياته المليئة والزاخرة والتي امتدت على مسافات الوطن العربي.
كما كنت حريصة صباح كل يوم على قراءة عمود الربعي في الشرق الأوسط، كنت أفتح على الموقع وعيني متلهفة على ما يدبجه يراع الثوري الخمسيني المسكون بقضايا العرب، وكنت دائماً أسأل نفسي من أين كان يستمد الربعي ثورية وحيوية قلمه، ما هو سر الطاقة العجيبة التي لا تنضب بفعل عوامل الزمان والمكان، ولكن يبدو إنها قضية الإيمان، الإيمان المطلق بالمبادئ والقضايا، لم يثنيه عن ذلك إلا الموت، إنها مشيئة الله.
مركز زايد للتراث والتاريخ